الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ "
) ﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ ﴾( 21 ) يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : يُسَبِّحُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ عِنْدَهُ مِنْ مَلَائِكَةٍ رَبَّهُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتَرُونَ مِنْ تَسْبِيحِهِمْ إِيَّاهُ . كَمَا حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ قَالَ : ثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ قَالَ : أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ سَأَلَ كَعْبًا عَنْ قَوْلِهِ : ( ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ ﴾) وَ ( يَسْبَحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَسْأَمُونَ ) فَقَالَ : هَلْ يَئُودُكَ طَرَفُكَ ؟ هَلْ يَئُودُكُ نَفَسُكَ ؟ قَالَ : لَا ، قَالَ : فَإِنَّهُمْ أُلْهِمُوا التَّسْبِيحَ كَمَا أُلْهِمْتُمُ الطَّرَفَ وَالنَّفَسَ . حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : ثَنِي أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ حَسَّانِ بْنِ مُخَارِقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ : قُلْتُ : لِكَعْبِ الْأَحْبَارِ ( ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ ﴾) أَمَا يَشْغَلُهُمْ رِسَالَةٌ أَوْ عَمَلٌ ؟ قَالَ : يَا ابْنَ أَخِي إِنَّهُمْ جُعِلَ لَهُمُ التَّسْبِيحُ ، كَمَا جُعِلَ لَكُمُ النَّفَسُ ، أَلَسْتَ تَأْكُلُ وَتَشْرَبُ وَتَقُومُ وَتَقْعُدُ وَتَجِيءُ وَتَذْهَبُ وَأَنْتَ تَنَفَّسُ ؟ قُلْتُ : بَلَى قَالَ : فَكَذَلِكَ جُعِلَ لَهُمُ التَّسْبِيحُ .
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ : ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَأَبُو دَاوُدَ قَالَا ثَنَا عِمْرَانُ الْقَطَّانُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ مَعْدَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ عَمْرٍو الْبِكَالِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ : إِنِ اللَّهَ خَلَقَ عَشْرَةَ أَجْزَاءٍ ، فَجَعَلَ تِسْعَةَ أَجْزَاءٍ الْمَلَائِكَةَ ، وَجُزْءًا سَائِرَ الْخَلْقِ ، وَجَزَّأَ الْمَلَائِكَةَ عَشْرَةَ أَجْزَاءٍ ، فَجَعَلَ تِسْعَةَ أَجْزَاءٍ ﴿يَسْبَحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتَرُونَ ﴾، وَجُزْءًا لِرِسَالَتِهِ ، وَجَزَّأَ الْخَلْقَ عَشْرَةَ أَجْزَاءٍ ، فَجَعَلَ تِسْعَةَ أَجْزَاءٍ الْجِنَّ ، وَجُزْءًا سَائِرَ بَنِي آدَمَ ، وَجَزَّأَ بَنِي آدَمَ عَشْرَةَ أَجْزَاءٍ ، فَحَمَلَ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ تِسْعَةَ أَجْزَاءٍ وَجُزْءًا سَائِرَ بَنِي آدَمَ . حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ قَوْلُهُ ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ ﴾ يَقُولُ : الْمَلَائِكَةُ الَّذِينَ هُمْ عِنْدَ الرَّحْمَنِ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ ، وَلَا يَسْأَمُونَ فِيهَا . وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَمَا هُوَ جَالَسٌ مَعَ أَصْحَابِهِ ، إِذْ قَالَ : تَسْمَعُونَ مَا أَسْمَعُ ؟ قَالُوا : مَا نَسْمَعُ مِنْ شَيْءٍ يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، قَالَ : إِنِّي لَأَسْمَعُ أَطِيطَ السَّمَاءِ ، وَمَا تُلَامُ أَنْ تَئِطَّ وَلَيْسَ فِيهَا مَوْضِعُ رَاحَةٍ إِلَّا وَفِيهِ مَلَكٌ سَاجِدٌ أَوْ قَائِمٌ .
وَقَوْلُهُ ﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : أَتَّخَذَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ؟ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ هُمْ الْآلِهَةَ ، يَقُولُ : هَذِهِ الْآلِهَةُ الَّتِي اتَّخَذُوهَا تَنْشِرُ الْأَمْوَاتَ ، يَقُولُ : يُحْيُونَ الْأَمْوَاتَ ، وَيُنْشِرُونَ الْخَلْقَ ، فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ . كَمَا حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : ثَنِي عِيسَى ح وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ جَمِيعًا ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلُهُ ( يُنْشِرُونَ ) يَقُولُ : يُحْيُونَ . حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ ﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ ﴾ يَقُولُ : أَفِي آلِهَتِهِمْ أَحَدٌ يُحْيِي ذَلِكَ يَنْشُرُونَ ، وَقَرَأَ قَوْلَ اللَّهِ قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ .
إِلَى قَوْلِهِ فَ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾ .