الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ "
) ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ ﴾( 65 ) يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : فَذَكَرُوا حِينَ قَالَ لَهُمْ إِبْرَاهِيمُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ وَرَجَعُوا إِلَى عُقُولِهِمْ ، وَنَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ ، فَقَالُوا : إِنَّكُمْ مَعْشَرُ الْقَوْمِ الظَّالِمُونَ هَذَا الرَّجُلُ فِي مَسْأَلَتِكُمْ إِيَّاهُ وَقِيلِكُمْ لَهُ مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ ، وَهَذِهِ آلِهَتُكُمُ الَّتِي فَعَلَ بِهَا مَا فَعَلَ حَاضِرَتُكُمْ فَاسْأَلُوهَا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : ثَنَا سَلَمَةُ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ﴿فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ قَالَ : أَرْعَوَوْا وَرَجَعُوا عَنْهُ يَعْنِي عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، فِيمَا ادَّعَوْا عَلَيْهِ مِنْ كَسْرِهِنَّ إِلَى أَنْفُسِهِمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ ، فَقَالُوا : لَقَدْ ظَلَمْنَاهُ وَمَا نَرَاهُ إِلَّا كَمَا قَالَ .
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : ثَنِي حَجَّاجٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ قَالَ : نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ . وَقَوْلُهُ ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : ثُمَّ غُلِبُوا فِي الْحُجَّةِ ، فَاحْتَجُّوا عَلَى إِبْرَاهِيمَ بِمَا هُوَ حُجَّةٌ لِإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِمْ ، فَقَالُوا : لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ الْأَصْنَامُ يَنْطِقُونَ . كَمَا حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : ثَنَا سَلَمَةُ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ : ثُمَّ قَالُوا : يَعْنِي قَوْمَ إِبْرَاهِيمَ ، وَعَرَفُوا أَنَّهَا ، يَعْنِي آلِهَتَهُمْ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ وَلَا تَبْطِشُ : لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ : أَيْ لَا تَتَكَلَّمُ فَتُخْبِرُنَا مَنْ صَنَعَ هَذَا بِهَا ، وَمَا تَبْطِشُ بِالْأَيْدِي فَنُصَدِّقُكَ ، يَقُولُ اللَّهُ ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ فِي الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ لِإِبْرَاهِيمَ حِينَ جَادَلَهُمْ ، فَقَالَ عِنْدَ ذَلِكَ إِبْرَاهِيمُ حِينَ ظَهَرَتِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِمْ : لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ .
حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ اللَّهُ ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ أَدْرَكَتِ النَّاسَ حَيْرَةُ سَوْءٍ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : ثُمَّ نُكِسُوا فِي الْفِتْنَةِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ : ثَنَا عَمْرٌو قَالَ : ثَنَا أَسْبَاطٌ عَنِ السُّدِّيِّ ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ قَالَ : نُكِسُوا فِي الْفِتْنَةِ عَلَى رُءُوسِهِمْ ، فَقَالُوا : لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ .
وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ : مَعْنَى ذَلِكَ : ثُمَّ رَجَعُوا عَمَّا عَرَفُوا مِنْ حُجَّةِ إِبْرَاهِيمَ ، فَقَالُوا : لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ . وَإِنَّمَا اخْتَرْنَا الْقَوْلَ الَّذِي قُلْنَا فِي مَعْنَى ذَلِكَ ، لِأَنَّ نَكْسَ الشَّيْءِ عَلَى رَأْسِهِ : قَلْبُهُ عَلَى رَأْسِهِ وَتَصْيِيرُ أَعْلَاهُ أَسْفَلَهُ; وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْقَوْمَ لَمْ يُقْلَبُوا عَلَى رُءُوسِ أَنْفُسِهِمْ ، وَأَنَّهُمْ إِنَّمَا نُكِّسَتْ حُجَّتُهُمْ ، فَأُقِيمُ الْخَبَرُ عَنْهُمْ مَقَامَ الْخَبَرِ عَنْ حُجَّتِهِمْ ، وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَنَكْسُ الْحُجَّةِ لَا شَكَّ إِنَّمَا هُوَ احْتِجَاجُ الْمُحْتَجِّ عَلَى خَصْمِهِ بِمَا هُوَ حُجَّةٌ لِخَصْمِهِ ، وَأَمَّا قَوْلُ السُّدِّيِّ : ثُمَّ نُكِسُوا فِي الْفِتْنَةِ ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا خَرَجُوا مِنَ الْفِتْنَةِ قَبْلَ ذَلِكَ فَنُكِسُوا فِيهَا . وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةَ مَا ذَكَرْنَا عَنْهُ ، فَقَوْلٌ بَعِيدٌ مِنَ الْفُهُومِ ، لِأَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا رَجَعُوا عَمَّا عَرَفُوا مِنْ حُجَّةِ إِبْرَاهِيمَ ، مَا احْتَجُّوا عَلَيْهِ بِمَا هُوَ حُجَّةٌ لَهُ ، بَلْ كَانُوا يَقُولُونَ لَهُ : لَا تَسْأَلُهُمْ ، وَلَكِنْ نَسْأَلُكَ فَأَخْبِرْنَا مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِهَا ، وَقَدْ سَمِعْنَا أَنَّكَ فَعَلْتَ ذَلِكَ ، وَلَكِنْ صَدَّقُوا الْقَوْلَ فَقَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ وَلَيْسَ ذَلِكَ رُجُوعًا عَمَّا كَانُوا عَرَفُوا ، بَلْ هُوَ إِقْرَارٌ بِهِ .