الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ . . . "
) يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : إِنَّ الَّذِينَ جَحَدُوا تَوْحِيدَ اللَّهِ ، وَكَذَّبُوا رُسُلَهُ وَأَنْكَرُوا مَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِمْ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ يَقُولُ : وَيَمْنَعُونَ النَّاسَ عَنْ دِينِ اللَّهِ أَنْ يَدْخُلُوا فِيهِ ، وَعَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ كَافَّةً لَمْ يُخَصِّصْ مِنْهَا بَعْضًا دُونَ بَعْضٍ ; سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ يَقُولُ : مُعْتَدِلٌ فِي الْوَاجِبِ عَلَيْهِ مِنْ تَعْظِيمِ حُرْمَةِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، وَقَضَاءِ نُسُكِهِ بِهِ ، وَالنُّزُولِ فِيهِ حَيْثُ شَاءَ الْعَاكِفُ فِيهِ ، وَهُوَ الْمُقِيمُ بِهِ; وَالْبَادِ : وَهُوَ الْمُنْتَابُ إِلَيْهِ مِنْ غَيْرِهِ . وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَاهُ : سَوَاءٌ الْعَاكِفُ فِيهِ وَهُوَ الْمُقِيمُ فِيهِ; وَالْبَادِ فِي أَنَّهُ لَيْسَ أَحَدُهُمَا بِأَحَقِّ بِالْمَنْزِلِ فِيهِ مِنَ الْآخَرِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : ثَنَا حَكَّامٌ عَنْ عَمْرٍو عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ عَنِ ابْنِ سَابِطٍ قَالَ : كَانَ الْحُجَّاجُ إِذَا قَدِمُوا مَكَّةَ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ بِأَحَقِّ بِمَنْزِلِهِ مِنْهُمْ ، وَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا وَجَدَ سِعَةً نَزَلَ .
فَفَشَا فِيهِمُ السَّرَقُ ، وَكُلُّ إِنْسَانٍ يَسْرِقُ مِنْ نَاحِيَتِهِ ، فَاصْطَنَعَ رَجُلٌ بَابًا ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ عُمَرُ : أَتَّخَذْتَ بَابًا مِنْ حُجَّاجِ بَيْتِ اللَّهِ ؟ فَقَالَ : لَا إِنَّمَا جَعَلْتُهُ لِيُحْرِزَ مَتَاعَهُمْ ، وَهُوَ قَوْلُهُ : سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ قَالَ : الْبَادِ فِيهِ كَالْمُقِيمِ ، لَيْسَ أَحَدٌ أَحَقُّ بِمَنْزِلِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ سَبَقَ إِلَى مَنْزِلٍ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ : ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَ : ثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي حَصِينٍ قَالَ : قُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ : أَعْتَكِفُ بِمَكَّةَ ، قَالَ : أَنْتَ عَاكِفٌ . وَقَرَأَ : سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ .
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : ثَنَا حَكَّامٌ عَنْ عَنْبَسَةَ عَمَّنْ ذَكَرَهُ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ : سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ الْعَاكِفُ : أَهْلُهُ ، وَالْبَادِ : الْمُنْتَابُ فِي الْمَنْزِلِ سَوَاءٌ . حَدَّثَنِي عَلِيٌّ قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَةُ عَنْ عَلِيٍّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ : سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ يَقُولُ : يَنْزِلُ أَهْلُ مَكَّةَ وَغَيْرُهُمْ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ . حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ قَالَ : الْعَاكِفُ فِيهِ : الْمُقِيمُ بِمَكَّةَ; وَالْبَادِ : الَّذِي يَأْتِيهِ هُمْ فِيهِ سَوَاءٌ فِي الْبُيُوتِ .
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ : سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ سَوَاءٌ فِيهِ أَهْلُهُ وَغَيْرُ أَهْلِهِ . حَدَّثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ مِثْلَهُ . حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ ثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ قَالَ : أَهْلُ مَكَّةَ وَغَيْرُهُمْ فِي الْمَنَازِلِ سَوَاءٌ .
وَقَالَ آخَرُونَ فِي ذَلِكَ نَحْوَ الَّذِي قُلْنَا فِيهِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : ثَنَا عِيسَى; وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ جَمِيعًا ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلُهُ : سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ قَالَ : السَّاكِنُ ، ( وَالْبَادِ ) الْجَانِبُ سَوَاءٌ حَقُّ اللَّهِ عَلَيْهِمَا فِيهِ . حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : ثَنِي حَجَّاجٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ قَالَ : السَّاكِنُ ( وَالْبَادِ ) الْجَانِبُ .
قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : ثَنَا أَبُو تُمَيْلَةَ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ جَابِرٍ عَنْ مُجَاهِدٍ وَعَطَاءٍ : سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ قَالَا مِنْ أَهْلِهِ ، ( وَالْبَادِ ) الَّذِي يَأْتُونَهُ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِ هُمَا فِي حُرْمَتِهِ سَوَاءٌ . وَإِنَّمَا اخْتَرْنَا الْقَوْلَ الَّذِي اخْتَرْنَا فِي ذَلِكَ ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ ، ذَكَرَ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ صَدَّ مَنْ كَفَرَ بِهِ مَنْ أَرَادَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ قَضَاءَ نُسُكِهِ فِي الْحَرَمِ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، فَقَالَ : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ثُمَّ ذَكَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ صِفَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، فَقَالَ : الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ فَأَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهُ جَعَلَهُ لِلنَّاسِ كُلِّهِمْ ، فَالْكَافِرُونَ بِهِ يَمْنَعُونَ مَنْ أَرَادَهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بِهِ عَنْهُ ، ثُمَّ قَالَ : سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ فَكَانَ مَعْلُومًا أَنَّ خَبَرَهُ عَنِ اسْتِوَاءِ الْعَاكِفِ فِيهِ وَالْبَادِ ، إِنَّمَا هُوَ فِي الْمَعْنَى الَّذِي ابْتَدَأَ اللَّهُ الْخَبَرَ عَنِ الْكَفَّارِ أَنَّهُمْ صَدُّوا عَنْهُ الْمُؤْمِنِينَ بِهِ ، وَذَلِكَ لَا شَكَّ طَوَافُهُمْ وَقَضَاءُ مَنَاسِكِهِمْ بِهِ وَالْمَقَامُ ، لَا الْخَبَرُ عَنْ مِلْكِهِمْ إِيَّاهُ وَغَيْرِ مِلْكِهِمْ . وَقِيلَ : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَعَطَفَ بِ يَصُدُّونَ وَهُوَ مُسْتَقْبَلٌ عَلَى كَفَرُوا ، وَهُوَ مَاضٍ ، لِأَنَّ الصَّدَّ بِمَعْنَى الصِّفَةِ لَهُمْ وَالدَّوَامِ .
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مَعْنَى الْكَلَامِ ، لَمْ يَكُنْ إِلَّا بِلَفْظِ الِاسْمِ أَوْ الِاسْتِقْبَالِ ، وَلَا يَكُونُ بِلَفْظِ الْمَاضِي . وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَمَعْنَى الْكَلَامِ : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ صِفَتِهِمُ الصَّدُّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ، وَذَلِكَ نَظِيرُ قَوْلِ اللَّهِ : الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ فَإِنَّ قُرَّاءَ الْأَمْصَارِ عَلَى رَفْعِ سَوَاءٌ بِالْعَاكِفِ ، وَالْعَاكِفِ بِهِ ، وَإِعْمَالِ جَعَلْنَاهُ فِي الْهَاءِ الْمُتَّصِلَةِ بِهِ ، وَاللَّامِ الَّتِي فِي قَوْلِهِ لِلنَّاسِ ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الْكَلَامَ بِسَوَاءٍ ، وَكَذَلِكَ تَفْعَلُ الْعَرَبُ بِسَوَاءٍ إِذَا جَاءَتْ بَعْدَ حَرْفٍ قَدْ تَمَّ الْكَلَامُ بِهِ ، فَتَقُولُ : مَرَرْتُ بِرَجُلٍ سَوَاءٌ عِنْدَهُ الْخَيْرُ وَالشَّرُّ ، وَقَدْ يَجُوزُ فِي ذَلِكَ الْخَفْضُ ، وَإِنَّمَا يُخْتَارُ الرَّفْعُ فِي ذَلِكَ لِأَنَّ سَوَاءً فِي مَذْهَبٍ وَاحِدٍ عِنْدَهُمْ ، فَكَأَنَّهُمْ قَالُوا : مَرَرْتُ بِرَجُلٍ وَاحِدٍ عِنْدَهُ الْخَيْرُ وَالشَّرُّ .
وَأَمَّا مَنْ خَفَضَهُ فَإِنَّهُ يُوَجِّهُهُ إِلَى مُعْتَدِلٍ عِنْدَهُ الْخَيْرُ وَالشَّرُّ ، وَمَنْ قَالَ ذَلِكَ فِي سَوَاءً فَاسْتَأْنَفَ بِهِ ، وَرَفَعَ لَمْ يُقِلْهُ فِي مُعْتَدِلٍ ، لِأَنَّ مُعْتَدِلَ فِعْلٌ مُصَرَّحٌ ، وَسَوَاءٌ مَصْدَرٌ فَإِخْرَاجُهُمْ إِيَّاهُ إِلَى الْفِعْلِ كَإِخْرَاجِهِمْ حَسْبَ فِي قَوْلِهِمْ : مَرَرْتُ بِرَجُلٍ حَسْبُكَ مِنْ رَجُلٍ إِلَى الْفِعْلِ . وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ بَعْضِ الْقُرَّاءِ أَنَّهُ قَرَأَهُ نَصْبًا عَلَى إِعْمَالِ جَعَلْنَاهُ فِيهِ ، وَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ لَهُ وَجْهٌ فِي الْعَرَبِيَّةِ ، فَقِرَاءَةٌ لَا أَسْتَجِيزُ الْقِرَاءَةَ بِهَا لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَى خِلَافِهِ . وَقَوْلُهُ : وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ إِلْحَادًا بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ، وَهُوَ أَنْ يَمِيلَ فِي الْبَيْتِ الْحَرَامِ بِظُلْمٍ ، وَأُدْخِلَتِ الْبَاءُ فِي قَوْلِهِ بِإِلْحَادٍ ، وَالْمَعْنَى فِيهِ مَا قُلْتُ ، كَمَا أُدْخِلَتْ فِي قَوْلِهِ : تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَالْمَعْنَى : تُنْبِتُ الدُّهْنَ ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : بِوَادِ يَمَانٍ يُنْبِتُ الشَّثَّ صَدْرُهُ وَأَسْفَلُهُ بِالْمَرْخِ وَالشَّبَهَانِ وَالْمَعْنَى : وَأَسْفَلُهُ يُنْبِتُ الْمَرْخَ وَالشَّبَهَانِ; وَكَمَا قَالَ أَعْشَى بَنِي ثَعْلَبَةَ : ضَمِنَتْ بِرِزْقِ عِيالِنَا أرْمَاحُنَا بَيْنَ الْمَرَاجِلِ وَالصَّرِيحِ الْأَجْرَدِ بِمَعْنَى : ضَمِنَتْ رِزْقَ عَيَالِنَا أَرْمَاحُنَا فِي قَوْلِ بَعْضِ نَحْوِيِّيِ الْبَصْرِيِّينَ .
وَأَمَّا بَعْضُ نَحْوِيِّيِ الْكُوفِيِّينَ فَإِنَّهُ كَانَ يَقُولُ : أُدْخِلَتِ الْبَاءُ فِيهِ ، لِأَنَّ تَأْوِيلَهُ : وَمَنْ يُرِدْ بِأَنْ يُلْحِدَ فِيهِ بِظُلْمٍ . وَكَانَ يَقُولُ : دُخُولُ الْبَاءِ فِي أَنَّ أَسْهَلُ مِنْهُ فِي إِلْحَادٍ وَمَا أَشْبَهَهُ ، لِأَنَّ أَنْ تُضْمِرَ الْخَوَافِضَ مَعَهَا كَثِيرًا ، وَتَكُونُ كَالشَّرْطِ ، فَاحْتَمَلَتْ دُخُولَ الْخَافِضِ وَخُرُوجَهُ ، لِأَنَّ الْإِعْرَابَ لَا يَتَبَيَّنُ فِيهَا ، وَقَالَ فِي الْمَصَادِرِ : يَتَبَيَّنُ الرَّفْعُ وَالْخَفْضُ فِيهَا ، قَالَ : وَأَنْشَدَنِي أَبُو الْجَرَّاحِ : فَلَمَّا رَجَتْ بِالشُّرْبِ هَزَّ لَهَا الْعَصَا شَحِيحٌ لَهُ عِنْدَ الْأَدَاءِ نَهِيمُ وَقَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ : أَلَا هَلْ أتَاهَا وَالْحَوَادِثُ جَمَّةٌ بَأَنَّ امْرَأَ الْقَيْسِ بْنَ تَمْلِكَ بَيْقَرَا قَالَ : فَأَدْخَلَ الْبَاءَ عَلَى أَنْ وَهِيَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ كَمَا أَدْخَلَهَا عَلَى إِلْحَادٍ ، وَهُوَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ ، قَالَ : وَقَدْ أَدْخَلُوا الْبَاءَ عَلَى مَا إِذَا أَرَادُوا بِهَا الْمَصْدَرَ ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : ألَمْ يَأْتِيكَ وَالْأَنْبَاءُ تَنْمِي بِمَا لَاقَتْ لَبُونُ بَنِي زِيَادِ وَقَالَ : وَهُوَ فِي مَا أَقَلَّ مِنْهُ فِي أَنْ ، لِأَنَّ أَنْ أَقَلُّ شَبَهًا بِالْأَسْمَاءِ مِنْ مَا . قَالَ : وَسَمِعْتُ أَعْرَابِيًّا مِنْ رَبِيعِةَ ، وَسَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ ، فَقَالَ : أَرْجُو بِذَاكَ : يُرِيدُ أَرْجُو ذَاكَ .
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى الظُّلْمِ الَّذِي مَنْ أَرَادَ الْإِلْحَادَ بِهِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَذَاقَهُ اللَّهُ مِنَ الْعَذَابِ الْأَلِيمِ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : ذَلِكَ هُوَ الشِّرْكُ بِاللَّهِ وَعِبَادَةُ غَيْرِهِ بِهِ : أَيْ بِالْبَيْتِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي عَلِيٌّ قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَةُ عَنْ عَلِيٍّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ : وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ يَقُولُ : بِشِرْكٍ . حَدَّثَنَا عَلِيٌّ قَالَ : ثَنَا حَكَّامٌ عَنْ عَنْبَسَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي بَزَّةَ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ هُوَ أَنْ يُعْبَدَ فِيهِ غَيْرُ اللَّهِ .
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : ثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ قَالَ : هُوَ الشِّرْكُ ، مَنْ أَشْرَكَ فِي بَيْتِ اللَّهِ عَذَّبَهُ اللَّهُ . حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ مِثْلَهُ . وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ اسْتِحْلَالُ الْحَرَامِ فِيهِ أَوْ رُكُوبُهُ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : ثَنِي أَبِي ، قَالَ : ثَنِي عَمِّي ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ : وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ) يَعْنِي أَنْ تَسْتَحِلَّ مِنَ الْحَرَامِ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْكَ مِنْ لِسَانٍ أَوْ قَتْلٍ ، فَتَظْلِمَ مَنْ لَا يَظْلِمُكَ ، وَتَقْتُلَ مَنْ لَا يَقْتُلُكَ ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ وَجَبَ لَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ . حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : ثَنَا عِيسَى; وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ جَمِيعًا ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ : وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ قَالَ : يَعْمَلُ فِيهِ عَمَلًا سَيِّئًا . حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثَنِي حَجَّاجٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ .
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ وَنَصْرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَوْدِيُّ قَالَا ثَنَا الْمُحَارِبِيُّ عَنْ سُفْيَانَ عَنِ السُّدِّيِّ عَنْ مُرَّةَ عَنْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : مَا مِنْ رَجُلٍ يَهِمُّ بِسَيِّئَةٍ فَتَكْتُبُ عَلَيْهِ ، وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا بَعْدَ أَنْ بَيَّنَ هَمَّ أَنْ يَقْتُلَ رَجُلًا بِهَذَا الْبَيْتِ ، لَأَذَاقَهُ اللَّهُ مِنَ الْعَذَابِ الْأَلِيمِ . حَدَّثَنَا مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا شُعْبَةُ عَنِ السُّدِّيِّ عَنْ مُرَّةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ مُجَاهِدٌ قَالَ يَزِيدُ قَالَ لَنَا شُعْبَةُ رَفَعَهُ ، وَأَنَا لَا أَرْفَعُهُ لَكَ فِي قَوْلِ اللَّهِ : وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ قَالَ : لَوْ أَنَّ رَجُلًا هَمَّ فِيهِ بِسَيِّئَةٍ وَهُوَ بَعَدَنِ أَبْيَنَ ، لَأَذَاقَهُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا . حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ الصَّبَاحِ قَالَ : ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ فِي قَوْلِهِ : وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ قَالَ : إِنِ الرَّجُلَ لَيَهِمُّ بِالْخَطِيئَةِ بِمَكَّةَ وَهُوَ فِي بَلَدٍ آخَرَ وَلَمْ يَعْمَلْهَا ، فَتُكْتَبُ عَلَيْهِ .
حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ : وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ قَالَ : الْإِلْحَادُ : الظُّلْمُ فِي الْحَرَمِ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ الظُّلْمِ : اسْتِحْلَالُ الْحَرَمِ مُتَعَمِّدًا . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : ثَنِي حَجَّاجٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ قَالَ : الَّذِي يُرِيدُ اسْتِحْلَالَهُ مُتَعَمِّدًا ، وَيُقَالُ الشِّرْكُ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ ذَلِكَ احْتِكَارُ الطَّعَامِ بِمَكَّةَ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ إِدْرِيسَ الْأَصَمُّ قَالَ : ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُحَارِبِيِّ عَنْ أَشْعَثَ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ فِي قَوْلِهِ : وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ قَالَ : هُمُ الْمُحْتَكِرُونَ الطَّعَامَ بِمَكَّةَ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ ذَلِكَ كُلُّ مَا كَانَ مَنْهِيًّا عَنْهُ مِنَ الْفِعْلِ ، حَتَّى قَوْلُ الْقَائِلِ : لَا وَاللَّهِ ، وَبَلَى وَاللَّهِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى قَالَ : ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ : ثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ : كَانَ لَهُ فُسْطَاطَانِ : أَحَدُهُمَا فِي الْحِلِّ ، وَالْآخِرُ فِي الْحَرَمِ ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُعَاتِبَ أَهْلَهُ عَاتَبَهُمْ فِي الْحِلِّ ، فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ : كُنَّا نُحَدَّثُ أَنَّ مِنَ الْإِلْحَادِ فِيهِ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ : كَلَّا وَاللَّهِ ، وَبَلَى وَاللَّهِ . حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : ثَنَا يَعْقُوبُ عَنْ أَبِي رِبْعِيٍّ عَنِ الْأَعْمَشِ قَالَ : كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو يَقُولُ : لَا وَاللَّهِ وَبَلَى وَاللَّهِ مِنَ الْإِلْحَادِ فِيهِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ بِالصَّوَابِ الْقَوْلُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ أَنَّهُ مَعْنِيٌّ بِالظُّلْمِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ كُلُّ مَعْصِيَةٍ لِلَّهِ ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ عَمَّ بِقَوْلِهِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ وَلَمْ يُخَصَّصْ بِهِ ظُلْمٌ دُونَ ظُلْمٍ فِي خَبَرٍ وَلَا عَقْلٍ ، فَهُوَ عَلَى عُمُومِهِ .
فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ : وَمَنْ يُرِدُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِأَنْ يَمِيلَ بِظُلْمٍ ، فَيَعْصَى اللَّهَ فِيهِ ، نُذِقْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عَذَابٍ مُوجِعٍ لَهُ . وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ بَعْضِ الْقُرَّاءِ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ ذَلِكَ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِفَتْحِ الْيَاءِ بِمَعْنَى : وَمَنْ يَرِدْهُ بِإِلْحَادٍ مِنْ وَرَدْتُ الْمَكَانَ أَرِدُهُ . وَذَلِكَ قِرَاءَةٌ لَا تَجُوزُ الْقِرَاءَةُ عِنْدِي بِهَا لِخِلَافِهَا مَا عَلَيْهِ الْحُجَّةُ مِنَ الْقُرَّاءِ مُجَمَّعَةٌ مَعَ بَعْدِهَا مِنْ فَصِيحِ كَلَامِ الْعَرَبِ ، وَذَلِكَ أَنَّ يَرِدْ فِعْلٌ وَاقِعٌ ، يُقَالُ مِنْهُ : وَهُوَ يَرِدُ مَكَانَ كَذَا أَوْ بَلْدَةَ كَذَا ، وَلَا يُقَالُ : يَرِدُ فِي مَكَانِ كَذَا .
وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِكَلَامِ الْعَرَبِ ، أَنْ طَيِّئًا تَقُولُ : رَغِبْتُ فِيكَ ، تُرِيدُ : رَغِبَتْ بِكَ ، وَذُكِرَ أَنَّ بَعْضَهُمْ أَنْشَدَهُ بَيْتًا : وَأَرْغَبُ فِيهَا عَنْ لَقِيطٍ وَرَهْطِهِ وَلَكِنَّنِي عَنْ سِنْبِسٍ لَسْتُ أَرْغَبُ بِمَعْنَى : وَأَرْغَبُ بِهَا . فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ صَحِيحًا كَمَا ذَكَرْنَا ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ فِي الْكَلَامِ ، فَأَمَّا الْقِرَاءَةُ بِهِ فَغَيْرُ جَائِزَةٍ لِمَا وَصَفْتُ .