الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ . . . "
) يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : أَلَمْ تَعْلَمْ يَا مُحَمَّدُ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ كُلَّ مَا فِي السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَالْأَرْضِينَ السَّبْعِ ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ ، وَهُوَ حَاكِمٌ بَيْنَ خَلْقِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، عَلَى عِلْمٍ مِنْهُ بِجَمِيعِ مَا عَمِلُوهُ فِي الدُّنْيَا ، فَمُجَازٍ الْمُحْسِنَ مِنْهُمْ بِإِحْسَانِهِ وَالْمُسِيءَ بِإِسَاءَتِهِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : إِنَّ عِلْمَهُ بِذَلِكَ فِي كِتَابٍ ، وَهُوَ أُمُّ الْكِتَابِ الَّذِي كَتَبَ فِيهِ رَبُّنَا جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ خَلْقَهُ مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ . كَمَا حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثَنَا مَيْسَرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْحَلَبِيُّ ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ ، عَنْ عَبْدَةَ بْنِ أَبِي لُبَابَةَ ، قَالَ : عَلِمَ اللَّهُ مَا هُوَ خَالِقٌ وَمَا الْخَلْقُ عَامِلُونَ ، ثُمَّ كَتَبَهُ ، ثُمَّ قَالَ لِنَبِيِّهِ : ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾. حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثَنِي مَيْسَرٌ ، عَنْ أَرْطَأَةَ بْنِ الْمُنْذِرِ ، قَالَ : سَمِعْتُ ضَمْرَةَ بْنَ حَبِيبٍ يَقُولُ : إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى عَرْشِهِ عَلَى الْمَاءِ وَخَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ، وَخَلَقَ الْقَلَمَ فَكَتَبَ بِهِ مَا هُوَ كَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ ، ثُمَّ إِنَّ ذَلِكَ الْكِتَابَ سَبَّحَ اللَّهَ وَمَجَّدَهُ أَلْفَ عَامٍ ، قَبْلَ أَنْ يَبْدَأَ شَيْئًا مِنَ الْخَلْقِ .
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثَنِي مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ سَيَّارٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّهُ سَأَلَ كَعْبَ الْأَحْبَارِ عَنْ أُمِّ الْكِتَابِ ، فَقَالَ : عَلِمَ اللَّهُ مَا هُوَ خَالِقٌ وَمَا خَلْقُهُ عَامِلُونَ ، فَقَالَ لِعِلْمِهِ : كُنْ كِتَابًا . وَكَانَ ابْنُ جُرَيْجٍ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ : إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ قَالَ : قَوْلُهُ : ﴿اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾. وَإِنَّمَا اخْتَرْنَا الْقَوْلَ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ ، لِأَنَّ قَوْلَهُ : ( إِنَّ ذَلِكَ ) إِلَى قَوْلِهِ : أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَقْرَبُ مِنْهُ إِلَى قَوْلِهِ : ﴿اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾ فَكَانَ إِلْحَاقُ ذَلِكَ بِمَا هُوَ أَقْرَبُ إِلَيْهِ أَوْلَى مِنْهُ بِمَا بَعُدَ .
وَقَوْلُهُ : إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ اخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَاهُ : إِنَّ الْحُكْمَ بَيْنَ الْمُخْتَلِفِينَ فِي الدُّنْيَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ : إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ قَالَ : حُكْمُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، ثُمَّ قَالَ بَيْنَ ذَلِكَ : أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : أَنَّ كِتَابَ الْقَلَمِ الَّذِي أَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يَكْتُبَ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ مَا هُوَ كَائِنٌ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ، يَعْنِي : هَيِّنٌ .
وَهَذَا الْقَوْلُ الثَّانِي أَوْلَى بِتَأْوِيلِ ذَلِكَ ، وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ : إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ . إِلَى قَوْلِهِ : إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ أَقْرَبُ وَهُوَ لَهُ مُجَاوِرٌ ، وَمِنْ قَوْلِهِ : اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُتَبَاعِدٌ مَعَ دُخُولِ قَوْلِهِ : أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ بَيْنَهُمَا ، فَإِلْحَاقُهُ بِمَا هُوَ أَقْرَبُ أَوْلَى مَا وُجِدَ لِلْكَلَامِ ، وَهُوَ كَذَلِكَ مَخْرَجٌ فِي التَّأْوِيلِ صَحِيحٌ .