الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ . . "
) ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُولِي الأَبْصَارِ ﴾( 44 ) يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَلَمْ تَرَ ) يَا مُحَمَّدُ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي يَعْنِي : يَسُوقُ ( سَحَابًا ) حَيْثُ يُرِيدُ ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ يَقُولُ : ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَ السَّحَابِ ، وَأَضَافَ بَيْنَ إِلَى السَّحَابِ ، وَلَمْ يُذْكَرْ مَعَ غَيْرِهِ ، وَبَيْنَ لَا تَكُونُ مُضَافَةً إِلَّا إِلَى جَمَاعَةٍ أَوِ اثْنَيْنِ ; لِأَنَّ السَّحَابَ فِي مَعْنَى جَمْعٍ ، وَاحِدُهُ سَحَابَةٌ ، كَمَا يُجْمَعُ النَّخْلَةُ : نَخْلٌ ، وَالتَّمْرَةُ تَمْرٌ ، فَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِ قَائِلٍ : جَلَسَ فُلَانٌ بَيْنَ النَّخْلِ ، وَتَأْلِيفُ اللَّهِ السَّحَابَ : جَمْعُهُ بَيْنَ مُتَفَرِّقِهَا . وَقَوْلُهُ : ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا يَقُولُ : ثُمَّ يَجْعَلُ السَّحَابَ الَّذِي يُزْجِيهِ ، وَيُؤَلِّفُ بَعْضَهُ إِلَى بَعْضٍ رُكَامًا ، يَعْنِي : مُتَرَاكِمًا بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ . وَقَدْ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ بَيَانٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا خَالِدٌ ، قَالَ : ثَنَا مَطَرٌ ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ اللَّيْثِيِّ ، قَالَ : الرِّيَاحُ أَرْبَعٌ : يَبْعَثُ اللَّهُ الرِّيحَ الْأُولَى فَتَقُمُّ الْأَرْضَ قَمًّا ، ثُمَّ يَبْعَثُ الثَّانِيَةَ فَتُنْشِئُ سَحَابًا ، ثُمَّ يَبْعَثُ الثَّالِثَةَ فَتُؤَلِّفُ بَيْنَهُ فَتَجْعَلُهُ رُكَامًا ، ثُمَّ يَبْعَثُ الرَّابِعَةَ فَتُمْطِرُهُ .
وَقَوْلُهُ : فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ يَقُولُ : فَتَرَى الْمَطَرَ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ السَّحَابِ ، وَهُوَ الْوَدْقُ ، قَالَ : الشَّاعِرُ : فَلَا مُزْنَةٌ وَدَقَتْ وَدْقَهَا وَلَا أَرْضٌ أَبْقَلَ إِبْقَالَهَا وَالْهَاءُ فِي قَوْلِهِ : ( مِنْ خِلَالِهِ ) مِنْ ذِكْرِ السَّحَابِ ، وَالْخِلَالِ : جَمْعُ خَلَلٍ . وَذُكِرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةٍ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقْرَءُونَ ذَلِكَ : مِنْ خَلَلِهِ . حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى ، قَالَ : ثَنَا حَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ ، قَالَ : ثَنَا شُعْبَةُ ، قَالَ : ثَنَا قَتَادَةُ ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ أَنَّهُ قَرَأَ هَذَا الْحَرْفَ : فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ : مِنْ خَلَلِهِ .
قَالَ : ثَنَا شُعْبَةُ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي عُمَارَةُ ، عَنْ رَجُلٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَرَأَ هَذَا الْحَرْفَ : فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ : مِنْ خَلَلِهِ . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ ، قَالَ : ثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : ثَنَا حَجَّاجٌ ، عَنْ هَارُونَ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي عُمَارَةُ بْنُ أَبِي حَفْصَةَ ، عَنْ رَجُلٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّهُ قَرَأَهَا : مِنْ خَلَلِهِ بِفَتْحِ الْخَاءِ ، مِنْ غَيْرِ أَلِفٍ . قَالَ هَارُونُ : فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِأَبِي عَمْرٍو ، فَقَالَ : إِنَّهَا لَحَسَنَةٌ ، وَلَكِنَّ خِلَالَهُ أَعَمُّ .
وَأَمَّا قُرَّاءُ الْأَمْصَارِ ، فَإِنَّهُمْ عَلَى الْقِرَاءَةِ الْأُخْرَى مِنْ خِلَالِهِ ، وَهِيَ الَّتِي نَخْتَارُ لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَيْهَا . حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ : فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ قَالَ : الْوَدْقُ : الْقَطْرُ ، وَالْخِلَالُ : السَّحَابُ . وَقَوْلُهُ : وَيُنَـزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ : قِيلَ فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ يُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِي السَّمَاءِ مِنْ بَرَدٍ مَخْلُوقَةٍ هُنَالِكَ خِلْقَةً ، كَأَنَّ الْجِبَالَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ هِيَ مِنْ بَرَدٍ ، كَمَا يُقَالُ : جِبَالٌ مِنْ طِينٍ .
وَالْقَوْلُ الْآخَرُ : أَنَّ اللَّهَ يُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ قَدْرَ جِبَالٍ ، وَأَمْثَالَ جِبَالٍ مِنْ بَرَدٍ إِلَى الْأَرْضِ ، كَمَا يُقَالُ : عِنْدِي بَيْتَانِ تِبْنًا ، وَالْمَعْنَى قَدْرَ بَيْتَيْنِ مِنَ التِّبْنِ ، وَالْبَيْتَانِ لَيْسَا مِنَ التِّبْنِ . وَقَوْلُهُ : فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَقُولُ : فَيُعَذِّبُ بِذَلِكَ الَّذِي يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مَنْ بَرَدٍ ، مَنْ يَشَاءُ فَيُهْلِكُهُ ، أَوْ يُهْلِكُ بِهِ زُرُوعَهُ وَمَالَهُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ مِنْ خَلْقِهِ ، يَعْنِي : عَنْ زُرُوعِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ . وَقَوْلُهُ : يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ يَقُولُ : يَكَادُ شِدَّةُ ضَوْءِ بَرْقِ هَذَا السَّحَابِ يَذْهَبُ بِأَبْصَارِ مَنْ لَاقَى بَصَرَهُ ، وَالسَّنَا مَقْصُورٌ ، وَهُوَ ضَوْءُ الْبَرْقِ .
كَمَا حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ : يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ قَالَ : ضَوْءُ بِرْقِهِ . حَدَّثَنَا الْحَسَنُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، فِي قَوْلِهِ : يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَقُولُ : لَمَعَانُ الْبَرْقِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ . حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ : يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ قَالَ : سَنَاهُ ضَوْءٌ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ .
وَقَرَأَتْ قُرَّاءُ الْأَمْصَارِ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِفَتْحِ الْيَاءِ مِنْ يَذْهَبُ سِوَى أَبِي جَعْفَرٍ الْقَارِئِ ، فَإِنَّهُ قَرَأَهُ بِضَمِّ الْيَاءِ يُذْهِبُ بِالْأَبْصَارِ . وَالْقِرَاءَةُ الَّتِي لَا أَخْتَارُ غَيْرَهَا هِيَ فَتْحُهَا ; لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَيْهَا ، وَأَنَّ الْعَرَبَ إِذَا أَدْخَلَتِ الْبَاءَ فِي مَفْعُولِ ذَهَبَتْ ، لَمْ يَقُولُوا : إِلَّا ذَهَبَتْ بِهِ ، دُونَ أَذْهَبَتْ بِهِ ، وَإِذَا أَدْخَلُوا الْأَلِفَ فِي أَذْهَبَتْ لَمْ يَكَادُوا أَنْ يُدْخِلُوا الْبَاءَ فِي مَفْعُولِهِ ، فَيَقُولُونَ : أَذْهَبَتْهُ وَذَهَبَتْ بِهِ . وَقَوْلُهُ : يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ يَقُولُ : يُعَقِّبُ اللَّهُ بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَيَصْرِفُهُمَا ، إِذَا أَذْهَبَ هَذَا جَاءَ هَذَا ، وَإِذَا أَذْهَبَ هَذَا جَاءَ هَذَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُولِي الأَبْصَارِ يَقُولُ : إِنَّ فِي إِنْشَاءِ اللَّهِ السَّحَابَ ، وَإِنْزَالِهِ مِنْهُ الْوَدْقَ ، وَمِنَ السَّمَاءِ الْبَرَدَ ، وَفِي تَقْلِيبِهِ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَعِبْرَةٌ لِمَنِ اعْتَبَرَ بِهِ ، وَعِظَةٌ لِمَنِ اتَّعَظَ بِهِ .
مِمَّنْ لَهُ فَهْمٌ وَعَقْلٌ ; لِأَنَّ ذَلِكَ يُنْبِئُ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ لَهُ مُدَبِّرًا وَمُصَرِّفًا وَمُقَلِّبًا لَا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ .