الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ . . "
) اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْمَعْنِيِّ بِقَوْلِهِ : لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَقَالَ بَعْضُهُمْ : عُنِيَ بِذَلِكَ : الرِّجَالُ دُونَ النِّسَاءِ ، وَنُهُوا عَنْ أَنْ يُدْخِلُوا عَلَيْهِمْ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثَةِ ، هَؤُلَاءِ الَّذِينَ سُمُّوا فِي هَذِهِ الْآيَةِ إِلَّا بِإِذْنٍ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : ثَنَا حَكَّامٌ ، عَنْ عَنْبَسَةَ ، عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَوْلُهُ : لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ قَالَ : هِيَ عَلَى الذُّكُورِ دُونَ الْإِنَاثِ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عُنِيَ بِهِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، قَالَ : ثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، فِي قَوْلِهِ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ قَالَ : هِيَ فِي الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ ، يَسْتَأْذِنُونَ عَلَى كُلِّ حَالٍ ، بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ . وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ : عُنِيَ بِهِ الذُّكُورُ وَالْإِنَاثُ ; لِأَنَّ اللَّهَ عَمَّ بِقَوْلِهِ : الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ جَمِيعَ أَمْلَاكِ أَيْمَانِنَا ، وَلَمْ يُخَصِّصْ مِنْهُمْ ذَكَرًا وَلَا أُنْثَى فَذَلِكَ عَلَى جَمِيعِ مَنْ عَمَّهُ ظَاهِرُ التَنْزِيلِ . فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ صَدَقُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، لِيَسْتَأْذِنْكُمْ فِي الدُّخُولِ عَلَيْكُمْ عَبِيدُكُمْ وَإِمَاؤُكُمْ ، فَلَا يَدْخُلُوا عَلَيْكُمْ إِلَّا بِإِذْنٍ مِنْكُمْ لَهُمْ .
وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ يَقُولُ : وَالَّذِينَ لَمْ يَحْتَلِمُوا مِنْ أَحْرَارِكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ ، يَعْنِي : ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فِي ثَلَاثَةِ أَوْقَاتٍ ، مِنْ سَاعَاتِ لَيْلِكُمْ وَنَهَارِكُمْ . كَمَا حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، فِي قَوْلِهِ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ قَالَ : عَبِيدُكُمُ الْمَمْلُوكُونَ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ قَالَ : لَمْ يَحْتَلِمُوا مِنْ أَحْرَارِكُمْ . قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : قَالَ لِي عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ : فَذَلِكَ عَلَى كُلِّ صَغِيرٍ وَصَغِيرَةٍ أَنْ يَسْتَأْذِنَ ، كَمَا قَالَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ قَالُوا : هِيَ الْعَتَمَةُ .
قُلْتُ : فَإِذَا وَضَعُوا ثِيَابَهُمْ بَعْدَ الْعَتَمَةِ اسْتَأْذَنُوا عَلَيْهِمْ حَتَّى يُصْبِحُوا؟ قَالَ : نَعَمْ . قُلْتُ لِعَطَاءٍ : هَلِ اسْتِئْذَانُهُمْ إِلَّا عِنْدَ وَضْعِ النَّاسِ ثِيَابَهُمْ؟ قَالَ : لَا . حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ وَيَعْقُوبَ بْنِ عُتْبَةَ وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدٍ ، قَالُوا : لَا اسْتِئْذَانَ عَلَى خَدَمِ الرَّجُلِ عَلَيْهِ إِلَّا فِي الْعَوْرَاتِ الثَّلَاثِ .
حَدَّثَنِي عَلِيٌّ ، قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِحٍ ، قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فِي قَوْلِهِ : لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ يَقُولُ : إِذَا خَلَا الرَّجُلُ بِأَهْلِهِ بَعْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ، فَلَا يَدْخُلُ عَلَيْهِ خَادِمٌ وَلَا صَبِيٌّ إِلَّا بِإِذْنٍ حَتَّى يُصَلِّيَ الْغَدَاةَ ، فَإِذَا خَلَا بِأَهْلِهِ عِنْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ فَمِثْلُ ذَلِكَ . حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي قُرَّةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ ثَعْلَبَةَ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْقُرَظِيِّ : أَنَّهُ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سُوَيْدٍ الْحَارِثِيَّ - وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الْإِذْنِ فِي الْعَوْرَاتِ الثَّلَاثِ ، فَقَالَ : إِذَا وَضَعْتُ ثِيَابِي مِنَ الظَّهِيرَةِ لَمْ يَلِجْ عَلَيَّ أَحَدٌ مِنَ الْخَدَمِ الَّذِي بَلَغَ الْحُلُمَ ، وَلَا أَحَدٌ مِمَّنْ لَمْ يَبْلُغِ الْحُلُمَ مِنَ الْأَحْرَارِ إِلَّا بِإِذْنٍ . حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ ، قَالَ : ثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ عَطَاءً يَقُولُ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : ثَلَاثُ آيَاتٍ جَحَدَهُنَّ النَّاسُ : الْإِذْنُ كُلُّهُ ، وَقَالَ : إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ وَقَالَ النَّاسُ : أَكْرَمُكُمْ أَعْظَمُكُمْ بَيْتًا ، وَنَسِيتُ الثَّالِثَةَ .
حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي الشَّوَارِبِ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ، قَالَ : ثَنَا يُونُسُ ، عَنِ الْحَسَنِ ، فِي هَذِهِ الْآيَةِ لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ قَالَ : كَانَ الْحَسَنُ يَقُولُ : إِذَا أَبَاتَ الرَّجُلُ خَادِمَهُ مَعَهُ فَهُوَ إِذْنُهُ ، وَإِنْ لَمْ يُبِتْهُ مَعَهُ اسْتَأْذَنَ فِي هَذِهِ السَّاعَاتِ . حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : ثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ : ثَنَا سُفْيَانُ ، قَالَ : ثَنِي مُوسَى بْنُ أَبِي عَائِشَةَ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ فِي قَوْلِهِ : لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ قَالَ : لَمْ تُنْسَخْ ، قُلْتُ : إِنَّ النَّاسَ لَا يَعْمَلُونَ بِهِ ، قَالَ : اللَّهُ الْمُسْتَعَانُ ! قَالَ ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، قَالَ : ثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ مُوسَى بْنُ أَبِي عَائِشَةَ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، وَسَأَلْتُهُ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ : لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ قُلْتُ : مَنْسُوخَةٌ هِيَ؟ قَالَ : لَا وَاللَّهِ مَا نُسِخَتْ ، قُلْتُ : إِنَّ النَّاسَ لَا يَعْمَلُونَ بِهَا ، قَالَ : اللَّهُ الْمُسْتَعَانُ ! قَالَ : ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، قَالَ : ثَنَا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، قَالَ : إِنَّ نَاسًا يَقُولُونَ نُسِخَتْ ، وَلَكِنَّهَا مِمَّا يَتَهَاوَنُ النَّاسُ بِهِ . قَالَ : ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، قَالَ : ثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ .
إِلَى آخِرِ الْآيَةِ ، قَالَ : لَا يُعْمَلُ بِهَا الْيَوْمَ . حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : ثَنَا حَنْظَلَةُ ، أَنَّهُ سَمِعَ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ يَسْأَلُ عَنِ الْإِذْنِ ، فَقَالَ : يَسْتَأْذِنُ عِنْدَ كُلِّ عَوْرَةٍ ، ثُمَّ هُوَ طَوَّافٌ ، يَعْنِي الرَّجُلَ عَلَى أُمِّهِ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، قَالَ : ثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي رَوَّادٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الطَّائِفِ ، عَنْ غَيْلَانَ بْنِ شُرَحْبِيلَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا يَغْلِبَنَّكُمُ الْأَعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلَاتِكُمْ ، قَالَ اللَّهُ : وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ وَإِنَّمَا الْعَتَمَةُ عَتَمَةُ الْإِبِلِ .
وَقَوْلُهُ : ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ : ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ بِرَفْعِ الثَّلَاثِ ، بِمَعْنَى الْخَبَرِ عَنْ هَذِهِ الْأَوْقَاتِ الَّتِي ذُكِرَتْ كَأَنَّهُ عِنْدَهُمْ ، قِيلَ : هَذِهِ الْأَوْقَاتُ الثَّلَاثَةُ الَّتِي أَمَرْنَاكُمْ بِأَنْ لَا يَدْخُلَ عَلَيْكُمْ فِيهَا مَنْ ذَكَرْنَا إِلَّا بِإِذْنٍ ، ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ ، لِأَنَّكُمْ تَضَعُونَ فِيهَا ثِيَابَكُمْ ، وَتَخْلُونَ بِأَهْلِيكُمْ . وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ ثَلَاثَ عَوْرَاتٍ بِنَصْبِ الثَّلَاثِ عَلَى الرَّدِّ عَلَى الثَّلَاثِ الْأُولَى . وَكَأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ عِنْدَهُمْ : لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ، وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، ثَلَاثَ عَوْرَاتٍ لَكُمْ .
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مُتَقَارِبَتَا الْمَعْنَى ، وَقَدْ قَرَأَ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عُلَمَاءُ مِنَ الْقُرَّاءِ ، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ . وَقَوْلُهُ : لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : ( لَيْسَ عَلَيْكُمْ ) مَعْشَرَ أَرْبَابِ الْبُيُوتِ وَالْمَسَاكِنِ ، ( وَلَا عَلَيْهِمْ ) يَعْنِي : وَلَا عَلَى الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ ، وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْ أَوْلَادِكُمُ الصِّغَارِ ، حَرَجٌ وَلَا إِثْمٌ بَعْدَهُنَّ ، يَعْنِي بَعْدَ الْعَوْرَاتِ الثَّلَاثِ ، وَالْهَاءُ وَالنُّونُ فِي قَوْلِهِ : ( بَعْدَهُنَّ ) عَائِدَتَانِ عَلَى الثَّلَاثِ مِنْ قَوْلِهِ : ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ وَإِنَّمَا يَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّهُ لَا حَرَجَ وَلَا جُنَاحَ عَلَى النَّاسِ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِمْ مَمَالِيكُهُمُ الْبَالِغُونَ ، وَصِبْيَانُهُمُ الصِّغَارُ بِغَيْرِ إِذْنٍ بَعْدَ هَذِهِ الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثِ اللَّاتِي ذَكَرَهُنَّ فِي قَوْلِهِ : مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي عَلِيٌّ ، قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِحٍ ، قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : ثُمَّ رَخَّصَ لَهُمْ فِي الدُّخُولِ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ بِغَيْرِ إِذْنٍ ، يَعْنِي فِيمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْغَدَاةِ إِلَى الظَّهْرِ ، وَبَعْدَ الظُّهْرِ إِلَى صَلَاةِ الْعِشَاءِ ، أَنَّهُ رَخَّصَ لِخَادِمِ الرَّجُلِ وَالصَّبِيِّ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِ مَنْزِلَهُ بِغَيْرِ إِذْنٍ ، قَالَ : وَهُوَ قَوْلُهُ : لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ فَأَمَّا مَنْ بَلَغَ الْحُلُمَ فَإِنَّهُ لَا يَدْخُلُ عَلَى الرَّجُلِ وَأَهْلِهِ إِلَّا بِإِذْنٍ عَلَى كُلِّ حَالٍ . وَقَوْلُهُ : طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ رُفِعَ الطَّوَّافُونَ بِمُضْمَرٍ ، وَذَلِكَ هُمْ . يَقُولُ : هَؤُلَاءِ الْمَمَالِيكُ وَالصِّبْيَانُ الصِّغَارُ هُمْ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ ، وَيَعْنِي بِالطَّوَّافِينَ : أَنَّهُمْ يَدْخُلُونَ وَيَخْرُجُونَ عَلَى مَوَالِيهِمْ وَأَقْرِبَائِهِمْ فِي مَنَازِلِهِمْ غُدْوَةً وَعَشِيَّةً بِغَيْرِ إِذْنٍ يَطُوفُونَ عَلَيْهِمْ ، بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي غَيْرِ الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثِ الَّتِي أَمَرَهُمْ أَنْ لَا يَدْخُلُوا عَلَى سَادَاتِهِمْ وَأَقْرِبَائِهِمْ فِيهَا إِلَّا بِإِذْنٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : كَمَا بَيَّنْتُ لَكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ أَحْكَامَ الِاسْتِئْذَانِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ، كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ جَمِيعَ أَعْلَامِهِ وَأَدِلَّتِهِ وَشَرَائِعَ دِينِهِ ( وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) يَقُولُ : وَاللَّهُ ذُو عِلْمٍ بِمَا يُصْلِحُ عِبَادَهُ ، حَكِيمٌ فِي تَدْبِيرِهِ إِيَّاهُمْ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أُمُورِهِ .