الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا . . "
) يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ فَالَّذِي الثَّانِيَةُ مِنْ نَعْتِ الَّذِي الْأَوْلَى ، وَهُمَا جَمِيعًا فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ ، الْأَوْلَى بِقَوْلِهِ تَبَارَكَ ، وَالثَّانِيَةُ نَعْتٌ لَهَا وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الَّذِي لَهُ سُلْطَانُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَنْفُذُ فِي جَمِيعِهَا أَمْرُهُ وَقَضَاؤُهُ ، وَيَمْضِي فِي كُلِّهَا أَحْكَامُهُ ، يَقُولُ : فَحَقَّ عَلَى مَنْ كَانَ كَذَلِكَ أَنْ يُطِيعَهُ أَهْلُ مَمْلَكَتِهِ ، وَمَنْ فِي سُلْطَانِهِ ، وَلَا يَعْصُوهُ ، يَقُولُ : فَلَا تَعْصُوا نَذِيرِي إِلَيْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ ، وَاتَّبِعُوهُ ، وَاعْمَلُوا بِمَا جَاءَكُمْ بِهِ مِنَ الْحَقِّ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا يَقُولُ : تَكْذِيبًا لِمَنْ أَضَافَ إِلَيْهِ الْوَلَدَ ، وَقَالَ : الْمَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللَّهِ ، مَا اتَّخَذَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ وَلَدًا ، فَمَنْ أَضَافَ إِلَيْهِ وَلَدًا فَقَدْ كَذَبَ وَافْتَرَى عَلَى رَبِّهِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ يَقُولُ تَكْذِيبًا لِمَنْ كَانَ يُضِيفُ الْأُلُوهَةَ إِلَى الْأَصْنَامِ وَيَعْبُدُهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ ، وَيَقُولُ فِي تَلْبِيَتِهِ : لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ ، إِلَّا شَرِيكًا هُوَ لَكَ تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ ، كَذَبَ قَائِلُو هَذَا الْقَوْلِ ، مَا كَانَ لِلَّهِ مِنْ شَرِيكٍ فِي مُلْكِهِ وَسُلْطَانِهِ ، فَيَصْلُحُ أَنْ يُعْبَدَ مِنْ دُونِهِ . يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : فَأَفْرِدُوا أَيُّهَا النَّاسُ لِرَبِّكُمُ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ مُحَمَّدٍ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْأُلُوهَةَ ، وَأَخْلِصُوا لَهُ الْعِبَادَةَ دُونَ كُلِّ مَا تَعْبُدُونَهُ مِنْ دُونِهِ مِنَ الْآلِهَةِ وَالْأَصْنَامِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْجِنِّ وَالْإِنْسِ ، فَإِنَّ كُلَّ ذَلِكَ خَلْقُهُ وَفِي مِلْكِهِ ، فَلَا تَصْلُحُ الْعِبَادَةُ إِلَّا لِلَّهِ الَّذِي هُوَ مَالِكُ جَمِيعِ ذَلِكَ ، وَقَوْلُهُ : وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَخَلَقَ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ الْفُرْقَانَ كُلَّ شَيْءٍ ، فَالْأَشْيَاءُ كُلُّهَا خَلْقُهُ وَمِلْكُهُ ، وَعَلَى الْمَمَالِيكِ طَاعَةُ مَالِكِهِمْ ، وَخِدْمَةُ سَيِّدِهِمْ دُونَ غَيْرِهِ . يَقُولُ : وَأَنَا خَالِقُكُمْ وَمَالِكُكُمْ ، فَأَخْلِصُوا لِي الْعِبَادَةَ دُونَ غَيْرِي ، وَقَوْلُهُ : فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا يَقُولُ : فَسَوَّى كُلَّ مَا خَلَقَ ، وَهَيَّأَهُ لِمَا يَصْلُحُ لَهُ ، فَلَا خَلَلَ فِيهِ وَلَا تَفَاوُتَ .