الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : تَبَارَكَ : تَفَاعَلَ مِنَ الْبَرَكَةِ ، كَمَا حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : ثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ : ثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَارَةَ ، قَالَ : ثَنَا أَبُو رَوْقٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : تَبَارَكَ : تَفَاعَلَ مِنَ الْبَرَكَةِ . وَهُوَ كَقَوْلِ الْقَائِلِ : تَقَدَّسَ رَبُّنَا ، فَقَوْلُهُ : تَبَارَكَ الَّذِي نَـزَّلَ الْفُرْقَانَ يَقُولُ : تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفَصْلَ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ ، فَصْلًا بَعْدَ فَصْلٍ وَسُورَةً بَعْدَ سُورَةٍ ، عَلَى عَبْدِهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، لِيَكُونَ مُحَمَّدٌ لِجَمِيعِ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ ، الَّذِينَ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ دَاعِيًا إِلَيْهِ ، نَذِيرًا : يَعْنِي مُنْذِرًا يُنْذِرُهُمْ عِقَابَهُ وَيُخَوِّفُهُمْ عَذَابَهُ ، إِنْ لَمْ يُوَحِّدُوهُ وَلَمْ يُخْلِصُوا لَهُ الْعِبَادَةَ ، وَيَخْلَعُوا كُلَّ مَا دُونَهُ مِنَ الْآلِهَةِ وَالْأَوْثَانِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ : ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَـزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا ﴾ قَالَ : النَّبِيُّ النَّذِيرُ . وَقَرَأَ وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ وَقَرَأَ ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلا لَهَا مُنْذِرُونَ ﴾ قَالَ : رُسُلٌ . قَالَ : الْمُنْذِرُونَ : الرُّسُلُ .
قَالَ : وَكَانَ نَذِيرًا وَاحِدًا بَلَّغَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ ، ذُو الْقَرْنَيْنِ ، ثُمَّ بَلَغَ السَّدَّيْنِ ، وَكَانَ نَذِيرًا ، وَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا يَحِقُّ أَنَّهُ كَانَ نَبِيًّا وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ قَالَ : مَنْ بَلَغَهُ الْقُرْآنُ مِنَ الْخَلْقِ ، فَرَسُولُ اللَّهِ نَذِيرُهُ . وَقَرَأَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا وَقَالَ : لَمْ يُرْسِلِ اللَّهُ رَسُولًا إِلَى النَّاسِ عَامَّةً إِلَّا نُوحًا ، بَدَأَ بِهِ الْخَلْقَ ، فَكَانَ رَسُولَ أَهْلِ الْأَرْضِ كُلِّهِمْ ، وَمُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَتَمَ بِهِ .