الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا "
) ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا ﴾( 12 ) يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : مَا كَذَّبَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ بِاللَّهِ ، وَأَنْكَرُوا مَا جِئْتَهُمْ بِهِ يَا مُحَمَّدُ مِنَ الْحَقِّ مِنْ أَجْلِ أَنَّكَ تَأْكُلُ الطَّعَامَ ، وَتَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ ، وَلَكِنْ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ لَا يُوقِنُونَ بِالْمَعَادِ ، وَلَا يُصَدِّقُونَ بِالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ تَكْذِيبًا مِنْهُمْ بِالْقِيَامَةِ ، وَبَعْثِ اللَّهِ الْأَمْوَاتَ أَحْيَاءً لِحَشْرِ الْقِيَامَةِ . ( وَأَعْتَدْنَا ) يَقُولُ : وَأَعْدَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِبَعْثِ اللَّهِ الْأَمْوَاتَ أَحْيَاءً بَعْدَ فَنَائِهِمْ لِقِيَامِ السَّاعَةِ ، نَارًا تُسَعَّرُ عَلَيْهِمْ وَتَتَّقِدُ إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ ، يَقُولُ : إِذَا رَأَتْ هَذِهِ النَّارُ الَّتِي أَعْتَدْنَاهَا لِهَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبِينَ أَشْخَاصَهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ ، تَغَيَّظَتْ عَلَيْهِمْ ، وَذَلِكَ أَنْ تَغْلِيَ وَتَفُورَ ، يُقَالُ : فُلَانٌ تَغَيَّظَ عَلَى فُلَانٍ ، وَذَلِكَ إِذْ غَضِبَ عَلَيْهِ ، فَغَلَى صَدْرُهُ مِنَ الْغَضَبِ عَلَيْهِ ، وَتَبَيَّنَ فِي كَلَامِهِ ، ( وَزَفِيرًا ) ، وَهُوَ صَوْتُهَا . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : وَكَيْفَ قِيلَ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَالتَّغَيُّظُ : لَا يُسْمَعُ ، قِيلَ مَعْنَى ذَلِكَ : سَمِعُوا لَهَا صَوْتَ التَّغَيُّظِ مِنَ التَّلَهُّبِ وَالتَّوَقُّدِ .
حَدَّثَنِي مَحْمُودُ بْنُ خِدَاشٍ ، قَالَ : ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ الْوَاسِطِيُّ ، قَالَ : ثَنَا أَصْبَغُ بْنُ زَيْدٍ الْوَرَّاقُ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ كَثِيرٍ ، عَنْ فُدَيْكٍ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ يَقُولُ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ فَلْيَتَبَوَّأْ بَيْنَ عَيْنَيْ جَهَنَّمَ مَقْعَدًا قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَهَلْ لَهَا مِنْ عَيْنٍ؟ قَالَ : أَلَمْ تَسْمَعُوا إِلَى قَوْلِ اللَّهِ إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ . الْآيَةَ . حَدَّثَنَا الْحَسَنُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ فِي قَوْلِهِ : سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا قَالَ : أَخْبَرَنِي الْمَنْصُورُ بْنُ الْمُعْتَمِرِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ ، قَالَ : إِنَّ جَهَنَّمَ لَتَزْفِرُ زَفْرَةً لَا يَبْقَى مَلَكٌ وَلَا نَبِيٌّ إِلَّا خَرَّ تَرْعُدُ فَرَائِصُهُ حَتَّى إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَيَجْثُوَ عَلَى رُكْبَتَيْهِ ، فَيَقُولُ : يَا رَبِّ لَا أَسْأَلُكَ الْيَوْمَ إِلَّا نَفْسِي ! .
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ ، قَالَ : ثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ، قَالَ : أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ ، عَنْ أَبِي يَحْيَى ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : إِنَّ الرَّجُلَ لَيُجَرُّ إِلَيَّ النَّارِ ، فَتَنْزَوِي ، وَيَنْقَبِضُ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ ، فَيَقُولُ لَهَا الرَّحْمَنُ : مَا لَكِ؟ فَتَقُولُ : إِنَّهُ لَيَسْتَجِيرُ مِنِّي! فَيَقُولُ : أَرْسِلُوا عَبْدِي . وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيُجَرُّ إِلَى النَّارِ ، فَيَقُولُ : يَا رَبِّ مَا كَانَ هَذَا الظَّنُّ بِكَ؟ فَيَقُولُ : مَا كَانَ ظَنُّكَ؟ فَيَقُولُ : أَنْ تَسَعَنِي رَحْمَتُكَ ، قَالَ : فَيَقُولُ أَرْسِلُوا عَبْدِي . وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيُجَرُّ إِلَى النَّارِ ، فَتَشْهَقُ إِلَيْهِ النَّارُ شُهُوقَ الْبَغْلَةِ إِلَى الشَّعِيرِ ، وَتَزْفِرُ زَفْرَةً لَا يَبْقَى أَحَدٌ إِلَّا خَافَ .