الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ . . "
) يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ الَّذِينَ كَانَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ يَعْبُدُونَهُمْ مَنْ دُونِ اللَّهِ وَعِيسَى : تَنْزِيهًا لَكَ يَا رَبَّنَا ، وَتَبْرِئَةً مِمَّا أَضَافَ إِلَيْكَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ ، مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ نُوَالِيهِمْ ، أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ ، وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ بِالْمَالِ يَا رَبَّنَا فِي الدُّنْيَا وَالصِّحَّةِ ، حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا هَلْكَى ، قَدْ غَلَبَ عَلَيْهِمُ الشَّقَاءُ وَالْخُذْلَانُ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، قَالَ : ثَنِي عَمِّي ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَوْلُهُ : وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا يَقُولُ : قَوْمٌ قَدْ ذَهَبَتْ أَعْمَالُهُمْ وَهُمْ فِي الدُّنْيَا ، وَلَمْ تَكُنْ لَهُمْ أَعْمَالٌ صَالِحَةٌ .
حَدَّثَنِي عَلِيٌّ ، قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِحٍ ، قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَوْلُهُ : وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا يَقُولُ : هَلْكَى . حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ ، قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ ، قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، قَوْلُهُ : وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا يَقُولُ : هَلْكَى . حَدَّثَنَا الْحَسَنُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الْحَسَنِ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا قَالَ : هُمُ الَّذِينَ لَا خَيْرَ فِيهِمْ ، حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ : وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا قَالَ : يَقُولُ : لَيْسَ مِنَ الْخَيْرِ فِي شَيْءٍ .
الْبُورُ : الَّذِي لَيْسَ فِيهِ مِنَ الْخَيْرِ شَيْءٌ . وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ : مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ ( نَتَّخِذَ ) بِفَتْحِ النُّونِ سِوَى الْحَسَنِ وَيَزِيدَ بْنِ الْقَعْقَاعِ ، فَإِنَّهُمَا قَرَآهُ : ( أَنَّ نُتَّخَذَ ) بِضَمِّ النُّونِ . فَذَهَبَ الَّذِينَ فَتَحُوهَا إِلَى الْمَعْنَى الَّذِي بَيَّنَّاهُ فِي تَأْوِيلِهِ مِنْ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ وَعِيسَى ، وَمَنْ عُبِدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ، هُمُ الَّذِينَ تَبَرَّءُوا أَنْ يَكُونَ كَانَ لَهُمْ وَلِيٌّ غَيْرُ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ .
وَأَمَّا الَّذِينَ قَرَءُوا ذَلِكَ بِضَمِّ النُّونِ ، فَإِنَّهُمْ وَجَّهُوا مَعْنَى الْكَلَامِ إِلَى أَنَّ الْمَعْبُودِينَ فِي الدُّنْيَا إِنَّمَا تَبَرَّءُوا إِلَى اللَّهِ أَنْ يَكُونَ كَانَ لَهُمْ أَنْ يُعْبَدُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ، كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْ عِيسَى ، أَنَّهُ قَالَ إِذَا قِيلَ : أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَهُ بِفَتْحِ النُّونِ ، لِعِلَلٍ ثَلَاثٍ : إِحْدَاهُنَّ إِجْمَاعٌ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَيْهَا . وَالثَّانِيَةُ : أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ذَكَرَ نَظِيرَ هَذِهِ الْقِصَّةِ فِي سُورَةِ سَبَأٍ ، فَقَالَ : ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ ﴾قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ ، فَأَخْبَرَ عَنِ الْمَلَائِكَةِ أَنَّهُمْ إِذَا سُئِلُوا عَنْ عِبَادَةِ مَنْ عَبَدَهُمْ تَبَرَّءُوا إِلَى اللَّهِ مِنْ وِلَايَتِهِمْ ، فَقَالُوا لِرَبِّهِمْ : أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ فَذَلِكَ يُوَضِّحُ عَنْ صِحَّةِ قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ بِمَعْنَى : مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَهُمْ مِنْ دُونِكَ أَوْلِيَاءَ . وَالثَّالِثَةُ : أَنَّ الْعَرَبَ لَا تُدْخِلُ مِنْ هَذِهِ الَّتِي تَدْخُلُ فِي الْجَحْدِ إِلَّا فِي الْأَسْمَاءِ ، وَلَا تُدْخِلُهَا فِي الْأَخْبَارِ ، لَا يَقُولُونَ : مَا رَأَيْتُ أَخَاكَ مِنْ رَجُلٍ ، وَإِنَّمَا يَقُولُونَ : مَا رَأَيْتُ مِنْ أَحَدٍ ، وَمَا عِنْدِي مِنْ رَجُلٍ ، وَقَدْ دَخَلَتْ هَاهُنَا فِي الْأَوْلِيَاءِ ، وَهِيَ فِي مَوْضِعِ الْخَبَرِ ، وَلَوْ لَمْ تَكُنْ فِيهَا مِنْ كَانَ وَجْهًا حَسَنًا .
وَأَمَّا الْبُورُ : فَمَصْدَرٌ وَاحِدٌ وَجَمْعٌ لِلْبَائِرِ ، يُقَالُ : أَصْبَحَتْ مَنَازِلُهُمْ بُورًا : أَيْ خَالِيَةً لَا شَيْءَ فِيهَا ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ : بَارَتِ السُّوقُ وَبَارَ الطَّعَامُ إِذَا خَلَا مِنَ الطُّلَّابِ وَالْمُشْتَرِي ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ طَالِبٌ ، فَصَارَ كَالشَّيْءِ الْهَالِكِ ; وَمِنْهُ قَوْلُ ابْنِ الزِّبَعْرَى : يَا رَسُولَ الْمَلِيكِ إِنَّ لِسِانِي رَاتِقٌ مَا فَتَقْتُ إِذْ أَنَا بُورُ وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ بُورًا : مَصْدَرٌ ، كَالْعَدْلِ وَالزُّورِ وَالْقَطْعِ ، لَا يُثَنَّى وَلَا يُجْمَعُ وَلَا يُؤَنَّثُ ، وَإِنَّمَا أُرِيدَ بِالْبُورِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ أَنَّ أَعْمَالَ هَؤُلَاءِ الْكُفَّارِ كَانَتْ بَاطِلَةً ; لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ لِلَّهِ كَمَا ذَكَرْنَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ .