الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ . . "
) ﴿وَكُلا ضَرَبْنَا لَهُ الأَمْثَالَ وَكُلا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا ﴾( 39 ) يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَدَمَّرْنَا أَيْضًا عَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ . وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي أَصْحَابِ الرَّسِّ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : أَصْحَابُ الرَّسِّ مِنْ ثَمُودَ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : وَأَصْحَابَ الرَّسِّ قَالَ : قَرْيَةٌ مِنْ ثَمُودَ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ هِيَ قَرْيَةٌ مِنَ الْيَمَامَةِ يُقَالُ لَهَا الْفَلْجُ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : ثَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : ثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ ، قَالَ : قَالَ قَتَادَةُ : الرَّسُّ : قَرْيَةٌ مِنَ الْيَمَامَةِ يُقَالُ لَهَا الْفَلْجُ . حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثَنِي حَجَّاجٌ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ ، قَالَ عِكْرِمَةُ : أَصْحَابُ الرَّسِّ بِفَلْجٍ هُمْ أَصْحَابُ يَس .
وَقَالَ آخَرُونَ : هُمْ قَوْمٌ رَسُّوا نَبِيَّهُمْ فِي بِئْرٍ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، قَالَ : ثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، قَالَ : كَانَ الرَّسُّ بِئْرًا رَسُّوا فِيهَا نَبِيَّهُمْ . وَقَالَ آخَرُونَ : هِيَ بِئْرٌ كَانَتْ تُسَمَّى الرَّسُّ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، قَالَ : ثَنِي عَمِّي ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ قَالَ : هِيَ بِئْرٌ كَانَتْ تُسَمَّى الرَّسَّ . حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُمَارَةَ ، قَالَ : ثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ، قَالَ : أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ ، عَنْ أَبِي يَحْيَى عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : وَأَصْحَابَ الرَّسِّ قَالَ : الرَّسُّ بِئْرٌ كَانَ عَلَيْهَا قَوْمٌ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ ، قَوْلُ مَنْ قَالَ : هُمْ قَوْمٌ كَانُوا عَلَى بِئْرٍ ، وَذَلِكَ أَنَّ الرَّسَّ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ : كُلُّ مَحْفُورٍ مِثْلُ الْبِئْرِ وَالْقَبْرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ; وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ : سَبَقْتَ إِلَى فَرَطٍ بَاهِلٍ تَنَابِلَةٍ يَحْفِرُونَ الرِّسَاسَا يُرِيدُ أَنَّهُمْ يَحْفِرُونَ الْمَعَادِنَ ، وَلَا أَعْلَمُ قَوْمًا كَانَتْ لَهُمْ قِصَّةً بِسَبَبِ حُفْرَةٍ ، ذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ إِلَّا أَصْحَابَ الْأُخْدُودِ ، فَإِنْ يَكُونُوا هُمُ الْمَعْنِيِّينَ بِقَوْلِهِ : وَأَصْحَابَ الرَّسِّ فَإِنَّا سَنَذْكُرُ خَبَرَهُمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ إِذَا انْتَهَيْنَا إِلَى سُورَةِ الْبُرُوجِ ، وَإِنْ يَكُونُوا غَيْرَهُمْ فَلَا نَعْرِفُ لَهُمْ خَبَرًا ، إِلَّا مَا جَاءَ مِنْ جُمْلَةِ الْخَبَرِ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَوْمٌ رَسُّوا نَبِيَّهُمْ فِي حُفْرَةٍ .
إِلَّا مَا حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : ثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْعَبْدُ الْأَسْوَدُ . وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بَعَثَ نَبِيًّا إِلَى أَهْلِ قَرْيَةٍ فَلَمْ يُؤْمِنْ مِنْ أَهْلِهَا أَحَدٌ إِلَّا ذَلِكَ الْأَسْوَدَ ، ثُمَّ إِنَّ أَهْلَ الْقَرْيَةِ عَدَوْا عَلَى النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَحَفَرُوا لَهُ بِئْرًا فَأَلْقَوْهُ فِيهَا ، ثُمَّ أَطْبَقُوا عَلَيْهِ بِحَجَرٍ ضَخْمٍ ، قَالَ : وَكَانَ ذَلِكَ الْعَبْدُ يَذْهَبُ فَيَحْتَطِبُ عَلَى ظَهْرِهِ ، ثُمَّ يَأْتِي بِحَطَبِهِ فَيَبِيعُهُ ، فَيَشْتَرِي بِهِ طَعَامًا وَشَرَابًا ، ثُمَّ يَأْتِي بِهِ إِلَى ذَلِكَ الْبِئْرِ ، فَيَرْفَعُ تِلْكَ الصَّخْرَةَ ، فَيُعِينُهُ اللَّهُ عَلَيْهَا ، فَيُدْلِي إِلَيْهِ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ ، ثُمَّ يُعِيدُهَا كَمَا كَانَتْ ، قَالَ : فَكَانَ كَذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ . ثُمَّ إِنَّهُ ذَهَبَ يَوْمًا يَحْتَطِبُ ، كَمَا كَانَ يَصْنَعُ ، فَجَمَعَ حَطَبَهُ ، وَحَزَمَ حُزْمَتَهُ وَفَرَغَ مِنْهَا ; فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَحْتَمِلَهَا وَجَدَ سِنَةً ، فَاضْطَجَعَ فَنَامَ ، فَضَرَبَ اللَّهُ عَلَى أُذُنِهِ سَبْعَ سِنِينَ نَائِمًا .
ثُمَّ إِنَّهُ هَبَّ فَتَمَطَّى ، فَتَحَوَّلَ لِشِقِّهِ الْآخَرَ ، فَاضْطَجَعَ ، فَضَرَبَ اللَّهُ عَلَى أُذُنِهِ سَبْعَ سِنِينَ أُخْرَى . ثُمَّ إِنَّهُ هَبَّ فَاحْتَمَلَ حُزْمَتَهُ ، وَلَا يَحْسَبُ إِلَّا أَنَّهُ نَامَ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ، فَجَاءَ إِلَى الْقَرْيَةِ فَبَاعَ حُزْمَتَهُ ، ثُمَّ اشْتَرَى طَعَامًا وَشَرَابًا كَمَا كَانَ يَصْنَعُ ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى الْحُفْرَةِ فِي مَوْضِعِهَا الَّتِي كَانَتْ فِيهِ فَالْتَمَسَهُ فَلَمْ يَجِدْهُ ، وَقَدْ كَانَ بَدَا لِقَوْمِهِ فِيهِ بَدَاءً ، فَاسْتَخْرَجُوهُ وَآمَنُوا بِهِ وَصَدَّقُوهُ ، قَالَ : فَكَانَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَسْأَلُهُمْ عَنْ ذَلِكَ الْأَسْوَدِ مَا فَعَلَ؟ فَيَقُولُونَ : مَا نَدْرِي ، حَتَّى قَبَضَ اللَّهُ النَّبِيَّ ، فَأَهَبَّ اللَّهُ الْأَسْوَدَ مِنْ نَوْمَتِهِ بَعْدَ ذَلِكَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ ذَلِكَ الْأَسْوَدَ لَأَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ غَيْرَ أَنَّ هَؤُلَاءِ فِي هَذَا الْخَبَرِ يَذْكُرُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِنَبِيِّهِمْ وَاسْتَخْرَجُوهُ مِنْ حُفْرَتِهِ ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونُوا الْمَعْنِيِّينَ بِقَوْلِهِ : وَأَصْحَابَ الرَّسِّ لِأَنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ عَنْ أَصْحَابِ الرَّسِّ أَنَّهُ دَمَّرَهُمْ تَدْمِيرًا ، إِلَّا أَنْ يَكُونُوا دُمِّرُوا بِأَحْدَاثٍ أَحْدَثُوهَا بَعْدَ نَبِيِّهِمُ الَّذِي اسْتَخْرَجُوهُ مِنَ الْحُفْرَةِ وَآمَنُوا بِهِ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ وَجْهًا وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا يَقُولُ : وَدَمَّرْنَا بَيْنَ أَضْعَافِ هَذِهِ الْأُمَمِ الَّتِي سَمَّيْنَاهَا لَكُمْ أُمَمًا كَثِيرَةً . كَمَا حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ شَبِيبٍ ، قَالَ : ثَنَا خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي رَافِعٍ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : خَلَّفْتُ بِالْمَدِينَةِ عَمِّي مِمَّنْ يُفْتِي عَلَى أَنَّ الْقَرْنَ سَبْعُونَ سَنَةً ، وَكَانَ عَمُّهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي رَافِعٍ كَاتِبَ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .
حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ ، قَالَ : ثَنَا حَفْصُ بْنُ غَيَّاثٍ ، عَنِ الْحَجَّاجِ ، عَنِ الْحَكَمِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : الْقَرْنُ أَرْبَعُونَ سَنَةً . وَقَوْلُهُ : وَكُلا ضَرَبْنَا لَهُ الأَمْثَالَ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَكُلُّ هَذِهِ الْأُمَمِ الَّتِي أَهْلَكْنَاهَا الَّتِي سَمَّيْنَاهَا لَكُمْ أَوْ لَمْ نُسَمِّهَا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ يَقُولُ : مَثَّلْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَنَبَّهْنَاهَا عَلَى حُجَجِنَا عَلَيْهَا ، وَأَعْذَرْنَا إِلَيْهَا بِالْعِبَرِ وَالْمَوَاعِظِ ، فَلَمْ نُهْلِكْ أُمَّةً إِلَّا بَعْدَ الْإِبْلَاغِ إِلَيْهِمْ فِي الْمَعْذِرَةِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ ، قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، فِي قَوْلِهِ : وَكُلا ضَرَبْنَا لَهُ الأَمْثَالَ قَالَ : كُلٌّ قَدْ أَعْذَرَ اللَّهُ إِلَيْهِ ، ثُمَّ انْتَقَمَ مِنْهُ . وَقَوْلُهُ : وَكُلا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَكُلُّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ ذَكَرْنَا لَكُمْ أَمْرَهُمُ اسْتَأْصَلْنَاهُمْ ، فَدَمَّرْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ إِبَادَةً ، وَأَهْلَكْنَاهُمْ جَمِيعًا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ الْحَسَنِ ، فِي قَوْلِهِ : وَكُلا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا قَالَ : تَبَّرَ اللَّهُ كُلًّا بِعَذَابٍ تَتْبِيرًا . حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : ثَنَا ابْنُ يَمَانٍ ، عَنْ أَشْعَثَ ، عَنْ جَعْفَرٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَكُلا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا قَالَ : تَتْبِيرٌ بِالنَّبَطِيَّةِ . حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثَنِي حَجَّاجٌ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ ، قَوْلُهُ : وَكُلا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا قَالَ : بِالْعَذَابِ .