حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تفسير الطبري

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا "

) يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَيَعْبُدُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ بِاللَّهِ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا تَنْفَعُهُمْ ، فَتَجْلِبُ إِلَيْهِمْ نَفْعًا إِذَا هُمْ عَبَدُوهَا ، وَلَا تَضُرُّهُمْ إِنْ تَرَكُوا عِبَادَتَهَا ، وَيَتْرُكُونَ عِبَادَةَ مَنْ أَنْعَمَ عَلَيْهِمْ هَذِهِ النِّعَمَ الَّتِي لَا كَفَاءَ لِأَدْنَاهَا ، وَهِيَ مَا عَدَّدَ عَلَيْنَا جَلَّ جَلَالُهُ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ مِنْ قَوْلِهِ : أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ إِلَى قَوْلِهِ : ( قَدِيرًا ) ، وَمِنْ قُدْرَتِهِ الْقُدْرَةُ الَّتِي لَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ مَعَهَا شَيْءٌ أَرَادَهُ ، وَلَا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ فِعْلُ شَيْءٍ أَرَادَ فِعْلَهُ ، وَمَنْ إِذَا أَرَادَ عِقَابَ بَعْضِ مَنْ عَصَاهُ مِنْ عِبَادِهِ أَحَلَّ بِهِ مَا أَحَلَّ بِالَّذِينِ وَصَفَ صِفَتَهُمْ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَأَصْحَابِ الرَّسِّ ، وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا ، فَلَمْ يَكُنْ لِمَنْ غَضَبُ عَلَيْهِ مِنْهُ نَاصِرٌ ، وَلَا لَهُ عَنْهُ دَافِعٌ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَكَانَ الْكَافِرُ مُعِينًا لِلشَّيْطَانِ عَلَى رَبِّهِ ، مُظَاهِرًا لَهُ عَلَى مَعْصِيَتِهِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ ، قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : ثَنَا حَكَّامٌ ، عَنْ عَنْبَسَةَ ، عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا قَالَ : يُظَاهِرُ الشَّيْطَانَ عَلَى مَعْصِيَةِ اللَّهِ بِعَيْنِهِ .

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ ، قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ ، قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، قَوْلُهُ : عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا قَالَ : مُعِينًا . حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، مِثْلَهُ . قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : أَبُو جَهْلٍ مُعِينًا ظَاهَرَ الشَّيْطَانَ عَلَى رَبِّهِ .

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ الْحَسَنِ ، فِي قَوْلِهِ : وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا قَالَ : عَوْنًا لِلشَّيْطَانِ عَلَى رَبِّهِ عَلَى الْمَعَاصِي . حَدَّثَنِي يُونُسُ . قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ : وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا قَالَ : عَلَى رَبِّهِ عَوِينًا .

وَالظَّهِيرُ : الْعَوِينُ . وَقَرَأَ قَوْلَ اللَّهِ : فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ قَالَ : لَا تَكُونَنَّ لَهُمْ عَوِينًا . وَقَرَأَ أَيْضًا قَوْلَ اللَّهِ : وَأَنْـزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ قَالَ : ظَاهَرُوهُمْ : أَعَانُوهُمْ .

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، قَالَ : ثَنِي عَمِّي ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَوْلُهُ : وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا يَعْنِي : أَبَا الْحَكَمِ الَّذِي سَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ . وَقَدْ كَانَ بَعْضُهُمْ يُوَجِّهُ مَعْنَى قَوْلِهِ : وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا أَيْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ هَيِّنًا ، مِنْ قَوْلِ الْعَرَبِ : ظَهَرْتُ بِهِ ، فَلَمْ أَلْتَفِتْ إِلَيْهِ ، إِذَا جَعَلَهُ خَلْفَ ظَهْرِهِ فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهِ ، وَكَأَنَّ الظَّهِيرَ كَانَ عِنْدَهُ فَعِيلَ صُرِفَ مِنْ مَفْعُولٍ إِلَيْهِ مِنْ مَظْهُورٍ بِهِ ، كَأَنَّهُ قِيلَ : وَكَانَ الْكَافِرُ مَظْهُورًا بِهِ . وَالْقَوْلُ الَّذِي قُلْنَاهُ هُوَ وَجْهُ الْكَلَامِ ، وَالْمَعْنَى الصَّحِيحُ ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَخْبَرَ عَنْ عِبَادَةِ هَؤُلَاءِ الْكُفَّارِ مِنْ دُونِهِ ، فَأَوْلَى الْكَلَامِ أَنْ يَتْبَعَ ذَلِكَ ذَمَّهُ إِيَّاهُمْ ، وَذَمَّ فِعْلَهُمْ دُونَ الْخَبَرِ عَنْ هَوَانِهِمْ عَلَى رَبِّهِمْ ، وَلَمْ يَجْرِ لِاسْتِكْبَارِهِمْ عَلَيْهِ ذِكْرٌ ، فَيُتْبَعُ بِالْخَبَرِ عَنْ هَوَانِهِمْ عَلَيْهِ .

موقع حَـدِيث