حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تفسير الطبري

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ "

) ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ( 9 ) يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : إِنَّ فِي إِنْبَاتِنَا فِي الْأَرْضِ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ لِآيَةً . يَقُولُ : لَدَلَالَةٌ لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الْمُكَذِّبِينَ بِالْبَعْثِ ، عَلَى حَقِيقَتِهِ ، وَأَنَّ الْقُدْرَةَ الَّتِي بِهَا أَنْبَتَ اللَّهُ فِي الْأَرْضِ ذَلِكَ النَّبَاتَ بَعْدَ جَدُوبَتِهَا ، لَنْ يُعْجِزَهُ أَنْ يَنْشُرَ بِهَا الْأَمْوَاتَ بَعْدَ مَمَاتِهِمْ ، أَحْيَاءً مِنْ قُبُورِهِمْ . وَقَوْلُهُ : وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ يَقُولُ : وَمَا كَانَ أَكْثَرُ هَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبِينَ بِالْبَعْثِ ، الْجَاحِدِينَ نُبُوَّتَكَ يَا مُحَمَّدُ ، بِمُصَدِّقِيكَ عَلَى مَا تَأْتِيهِمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مِنَ الذِّكْرِ .

يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَقَدْ سَبَقَ فِي عِلْمِي أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ، فَلَا يُؤْمِنُ بِكَ أَكْثَرُهُمْ لِلسَّابِقِ مِنْ عِلْمِي فِيهِمْ . وَقَوْلُهُ : ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ يَقُولُ : وَإِنَّ رَبَّكَ يَا مُحَمَّدُ لَهْوَ الْعَزِيزُ فِي نِقْمَتِهِ ، لَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ أَحَدٌ أَرَادَ الِانْتِقَامَ مِنْهُ . يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَإِنِّي إِنْ أَحْلَلْتُ بِهَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبِينَ بِكَ يَا مُحَمَّدُ ، الْمُعْرِضِينَ عَمَّا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ عِنْدِي ، عُقُوبَتِي بِتَكْذِيبِهِمْ إِيَّاكَ ، فَلَنْ يَمْنَعَهُمْ مِنِّي مَانِعٌ ، لِأَنِّي أَنَا الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ، يَعْنِي أَنَّهُ ذُو الرَّحْمَةِ بِمَنْ تَابَ مِنْ خَلْقِهِ مِنْ كُفْرِهِ وَمَعْصِيَتِهِ ، أَنْ يُعَاقِبَهُ عَلَى مَا سَلَّفَ مِنْ جُرْمِهِ بَعْدَ تَوْبَتِهِ .

وَكَانَ ابْنُ جُرَيْجٍ يَقُولُ فِي مَعْنَى ذَلِكَ ، مَا حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثَنِي الْحَجَّاجُ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : كُلُّ شَيْءٍ فِي الشُّعَرَاءِ مِنْ قَوْلِهِ ( الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ) فَهُوَ مَا أَهْلَكَ مِمَّنْ مَضَى مِنَ الْأُمَمِ ، يَقُولُ : عَزِيزٌ حِينَ انْتَقَمَ مِنْ أَعْدَائِهِ ، رَحِيمٌ بِالْمُؤْمِنِينَ حِينَ أَنْجَاهُمْ مِمَّا أَهْلَكَ بِهِ أَعْدَاءَهُ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَإِنَّمَا اخْتَرْنَا الْقَوْلَ الَّذِي اخْتَرْنَاهُ فِي ذَلِكَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، لِأَنَّ قَوْلَهُ : ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ عَقِيبُ وَعِيدِ اللَّهِ قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ وَالتَّكْذِيبِ بِالْبَعْثِ ، لَمْ يَكُونُوا أُهْلِكُوا ، فَيُوَجَّهُ إِلَى أَنَّهُ خَبْرٌ مِنَ اللَّهِ عَنْ فِعْلِهِ بِهِمْ وَإِهْلَاكِهِ . وَلَعَلَّ ابْنَ جُرَيْجٍ بِقَوْلِهِ هَذَا أَرَادَ مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ عَقِيبَ خَبَرِ اللَّهِ عَنْ إِهْلَاكِهِ مَنْ أَهْلَكَ مِنَ الْأُمَمِ ، وَذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ إِذَا كَانَ عَقِيبَ خَبَرِهِمْ كَذَلِكَ .

موقع حَـدِيث