الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ "
) ﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ ﴾( 10 ) ﴿إِلا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾( 11 ) يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مُخْبِرًا عَنْ قِيلِهِ لِمُوسَى : إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ فِي نِقْمَتِهِ مِنْ أَعْدَائِهِ ( الْحَكِيمُ ) فِي تَدْبِيرِهِ فِي خَلْقِهِ ، وَالْهَاءُ الَّتِي فِي قَوْلِهِ : ( إِنَّهُ ) هَاءُ عِمَادٍ ، وَهُوَ اسْمٌ لَا يَظْهَرُ فِي قَوْلِ بَعْضِ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ . وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ : يَقُولُ هِيَ الْهَاءُ الْمَجْهُولَةُ ، وَمَعْنَاهَا : أَنَّ الْأَمْرَ وَالشَّأْنَ : أَنَا اللَّهُ . وَقَوْلُهُ : وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ فِي الْكَلَامِ مَحْذُوفٌ تُرِكَ ذِكْرُهُ اسْتِغْنَاءً بِمَا ذُكِرَ عَمَّا حُذِفَ ، وَهُوَ فَأَلْقَاهَا فَصَارَتْ حَيَّةً تَهْتَزُّ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ يَقُولُ : كَأَنَّهَا حَيَّةٌ عَظِيمَةٌ ، وَالْجَانُّ : جِنْسٌ مِنَ الْحَيَّاتِ مَعْرُوفٌ .
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ فِي ذَلِكَ مَا حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثَنِي حَجَّاجٌ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ قَالَ : حِينَ تَحَوَّلَتْ حَيَّةً تَسْعَى ، وَهَذَا الْجِنْسُ مِنَ الْحَيَّاتِ عَنَى الرَّاجِزُ بِقَوْلِهِ : يَرْفَعْنَ بِاللَّيِلِ إِذَا مَا أَسْدَفَا أَعْنَاقَ جِنَّانٍ وَهَامًا رُجَّفَا وَعَنَقًا بَعْدَ الرَّسِيمِ خَيْطَفَا وَقَوْلُهُ : وَلَّى مُدْبِرًا يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَلَّى مُوسَى هَارِبًا خَوْفًا مِنْهَا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَقُولُ : وَلَمْ يَرْجِعْ . مِنْ قَوْلِهِمْ : عَقَّبَ فُلَانٌ : إِذَا رَجَعَ عَلَى عَقِبِهِ إِلَى حَيْثُ بَدَأَ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ ، قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ جَمِيعًا ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، فِي قَوْلِ اللَّهِ : وَلَمْ يُعَقِّبْ قَالَ : لَمْ يَرْجِعْ . حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، مِثْلَهُ . قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثَنَا أَبُو سُفْيَانَ عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَالَ : لَمْ يَلْتَفِتْ .
حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ : وَلَمْ يُعَقِّبْ قَالَ : لَمْ يَرْجِعْ ( يَا مُوسَى ) قَالَ : لَمَّا أَلْقَى الْعَصَا صَارَتْ حَيَّةً ، فَرَعَبَ مِنْهَا وَجَزِعَ ، فَقَالَ اللَّهُ : إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ قَالَ : فَلَمْ يَرْعُو لِذَلِكَ ، قَالَ : فَقَالَ اللَّهُ لَهُ : أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ قَالَ : فَلَمْ يَقِفْ أَيْضًا عَلَى شَيْءٍ مِنْ هَذَا حَتَّى قَالَ : سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الأُولَى قَالَ : فَالْتَفَتَ فَإِذَا هِيَ عَصًا كَمَا كَانَتْ ، فَرَجَعَ فَأَخَذَهَا ، ثُمَّ قَوِيَ بَعْدَ ذَلِكَ حَتَّى صَارَ يُرْسِلُهَا عَلَى فِرْعَوْنَ وَيَأْخُذُهَا . وَقَوْلُهُ : يَامُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ إِلا مَنْ ظَلَمَ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : فَنَادَاهُ رَبُّهُ : يَا مُوسَى لَا تَخَفْ مِنْ هَذِهِ الْحَيَّةِ ، إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ . يَقُولُ : إِنِّي لَا يَخَافُ عِنْدِي رُسُلِي وَأَنْبِيَائِي الَّذِينَ أَخْتَصُّهُمْ بِالنُّبُوَّةِ ، إِلَّا مَنْ ظَلَمَ مِنْهُمْ ، فَعَمِلَ بِغَيْرِ الَّذِي أُذِنَ لَهُ فِي الْعَمَلِ بِهِ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، قَالَ : قَوْلُهُ : يَا مُوسَى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ قَالَ : لَا يُخِيفُ اللَّهُ الْأَنْبِيَاءَ إِلَّا بِذَنْبٍ يُصِيبُهُ أَحَدُهُمْ ، فَإِنْ أَصَابَهُ أَخَافَهُ حَتَّى يَأْخُذَهُ مِنْهُ . حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ الْفَزَارِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ ، عَنِ الْحَسَنِ ، قَالَ : قَوْلُهُ : يَامُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ إِلا مَنْ ظَلَمَ قَالَ : إِنِّي إِنَّمَا أَخَفْتُكَ لِقَتْلِكَ النَّفْسَ ، قَالَ : وَقَالَ الْحَسَنُ : كَانَتِ الْأَنْبِيَاءُ تُذْنِبُ فَتُعَاقَبُ .
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي وَجْهِ دُخُولِ إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، وَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ مَعَ وَعْدِ اللَّهِ الْغُفْرَانَ الْمُسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِهِ : إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ بِقَوْلِهِ : فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ . وَحُكْمُ الِاسْتِثْنَاءِ أَنْ يَكُونَ مَا بَعْدَهُ بِخِلَافِ مَعْنَى مَا قَبْلَهُ ، وَذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مَا بَعْدَهُ إِنْ كَانَ مَا قَبْلُهُ مَنْفِيًّا مُثْبَتًا كَقَوْلِهِ : مَا قَامَ إِلَّا زَيْدٌ ، فَزَيْدٌ مُثْبَتٌ لَهُ الْقِيَامُ ، لِأَنَّهُ مُسْتَثْنًى مِمَّا قَبْلَ إِلَّا ، وَمَا قَبْلَ إِلَّا مَنْفِيٌّ عَنْهُ الْقِيَامُ ، وَأَنْ يَكُونَ مَا بَعْدَهُ إِنْ كَانَ مَا قَبْلَهُ مُثْبَتًا مَنْفِيًّا كَقَوْلِهِمْ : قَامَ الْقَوْمُ إِلَّا زَيْدًا ; فَزَيْدٌ مَنْفِيٌّ عَنْهُ الْقِيَامُ ; وَمَعْنَاهُ : إِنَّ زَيْدًا لَمْ يَقُمْ ، الْقَوْمُ مُثْبَتٌ لَهُمُ الْقِيَامُ إِلا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ ، فَقَدْ أَمَّنَهُ اللَّهُ بِوَعْدِهِ الْغُفْرَانَ وَالرَّحْمَةَ ، وَأَدْخَلَهُ فِي عِدَادِ مَنْ لَا يَخَافُ لَدَيْهِ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ، فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ : أُدْخِلَتْ إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ; لِأَنَّ إِلَّا تَدْخُلُ فِي مِثْلِ هَذَا الْكَلَامِ ، كَمِثْلِ قَوْلِ الْعَرَبِ : مَا أَشْتَكِي إِلَّا خَيْرًا ، فَلَمْ يَجْعَلْ قَوْلَهُ : إِلَّا خَيْرًا عَلَى الشَّكْوَى ، وَلَكِنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُ إِذَا قَالَ : مَا أَشْتَكِي شَيْئًا أَنْ يَذْكُرَ عَنْ نَفْسِهِ خَيْرًا ، كَأَنَّهُ قَالَ : مَا أَذْكُرُ إِلَّا خَيْرًا . وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ يَقُولُ الْقَائِلَ : كَيْفَ صَيَّرَ خَائِفًا مَنْ ظَلَمَ ، ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ ، وَهُوَ مَغْفُورٌ لَهُ ؟ فَأَقُولُ لَكَ : فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا أَنْ يَقُولَ : إِنَّ الرُّسُلَ مَعْصُومَةٌ مَغْفُورٌ لَهَا آمِنَةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَمَنْ خَلَطَ عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا فَهُوَ يَخَافُ وَيَرْجُو ، فَهَذَا وَجْهٌ .
وَالْآخَرُ : أَنْ يَجْعَلَ الِاسْتِثْنَاءَ مِنَ الَّذِينَ تَرَكُوا فِي الْكَلِمَةِ ، لِأَنَّ الْمَعْنَى : لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ ، إِنَّمَا الْخَوْفُ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ ، ثُمَّ اسْتَثْنَى فَقَالَ : إِلا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا يَقُولُ : كَانَ مُشْرِكًا ، فَتَابَ مِنَ الشِّرْكِ ، وَعَمِلَ حُسْنًا ، فَذَلِكَ مَغْفُورٌ لَهُ ، وَلَيْسَ يَخَافُ . قَالَ : وَقَدْ قَالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ : إِنَّ إِلَّا فِي اللُّغَةِ بِمَنْزِلَةِ الْوَاوِ ، وَإِنَّمَا مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ : لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ ، وَلَا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا ، قَالَ : وَجَعَلُوا مَثَلَهُ كَقَوْلِ اللَّهِ : لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَالَ : وَلَمْ أَجِدِ الْعَرَبِيَّةَ تَحْتَمِلُ مَا قَالُوا ، لِأَنِّي لَا أُجِيزُ : قَامَ النَّاسُ إِلَّا عَبْدَ اللَّهِ ، وَعَبْدُ اللَّهِ قَائِمٌ ، إِنَّمَا مَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ أَنْ يَخْرُجَ الِاسْمُ الَّذِي بَعْدَ إِلَّا مِنْ مَعْنَى الْأَسْمَاءِ الَّتِي قَبِلَ إِلَّا . وَقَدْ أَرَاهُ جَائِزًا أَنْ يَقُولَ : لِي عَلَيْكَ أَلْفٌ سِوَى أَلْفٍ آخَرَ ; فَإِنْ وُضِعَتْ إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ صَلَحَتْ ، وَكَانَتْ إِلَّا فِي تَأْوِيلِ مَا قَالُوا ، فَأَمَّا مُجَرَّدَةً قَدِ اسْتَثْنَى قَلِيلَهَا مِنْ كَثِيرِهَا فَلَا ، وَلَكِنَّ مِثْلَهُ مِمَّا يَكُونُ مَعْنَى إِلَّا كَمَعْنَى الْوَاوِ ، وَلَيْسَتْ بِهَا قَوْلُهُ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلا مَا شَاءَ رَبُّكَ هُوَ فِي الْمَعْنَى .
وَالَّذِي شَاءَ رَبُّكَ مِنَ الزِّيَادَةِ ، فَلَا تُجْعَلْ إِلَّا بِمَنْزِلَةِ الْوَاوِ ، وَلَكِنْ بِمَنْزِلَةِ سِوَى ; فَإِذَا كَانَتْ سِوَى فِي مَوْضِعِ إِلَّا صَلَحَتْ بِمَعْنَى الْوَاوِ ، لِأَنَّكَ تَقُولُ : عِنْدِي مَالٌ كَثِيرٌ سِوَى هَذَا : أَيْ وَهَذَا عِنْدِي ، كَأَنَّكَ قُلْتَ : عِنْدِي مَالٌ كَثِيرٌ وَهَذَا أَيْضًا عِنْدِي ، وَهُوَ فِي سِوَى أَبْعَدُ مِنْهُ فِي إِلَّا لِأَنَّكَ تَقُولُ : عِنْدِي سِوَى هَذَا ، وَلَا تَقُولُ : عِنْدِي إِلَّا هَذَا . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي قَوْلِهِ إِلا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ عِنْدِي غَيْرُ مَا قَالَهُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ حَكَيْنَا قَوْلَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ ، بَلْ هُوَ الْقَوْلُ الَّذِي قَالَهُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَابْنُ جُرَيْجٍ وَمَنْ قَالَ قَوْلَهُمَا ، وَهُوَ أَنَّ قَوْلَهُ : إِلا مَنْ ظَلَمَ اسْتِثْنَاءٌ صَحِيحٌ مِنْ قَوْلِهِ لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ إِلا مَنْ ظَلَمَ مِنْهُمْ فَأَتَى ذَنْبًا ، فَإِنَّهُ خَائِفٌ لَدَيْهِ مِنْ عُقُوبَتِهِ ، وَقَدْ بَيَّنَ الْحَسَنُ رَحِمَهُ اللَّهُ مَعْنَى قِيلِ اللَّهِ لِمُوسَى ذَلِكَ ، وَهُوَ قَوْلُهُ قَالَ : إِنِّي إِنَّمَا أَخَفْتُكَ لِقَتْلِكَ النَّفْسَ . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَمَا وَجْهُ قِيلِهِ إِنْ كَانَ قَوْلُهُ إِلا مَنْ ظَلَمَ اسْتِثْنَاءً صَحِيحًا ، وَخَارِجًا مِنْ عِدَادِ مَنْ لَا يَخَافُ لَدَيْهِ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ، وَكَيْفَ يَكُونُ خَائِفًا مَنْ كَانَ قَدْ وُعِدَ الْغُفْرَانَ وَالرَّحْمَةَ ؟ قِيلَ : إِنَّ قَوْلَهُ : ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ كَلَامٌ آخَرَ بَعْدَ الْأَوَّلِ ، وَقَدْ تَنَاهَى الْخَبَرُ عَنِ الرُّسُلِ مَنْ ظَلَمَ مِنْهُمْ ، وَمَنْ لَمْ يَظْلِمْ عِنْدَ قَوْلِهِ إِلا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ ابْتَدَأَ الْخَبَرَ عَمَّنْ ظَلَمَ مِنَ الرُّسُلِ ، وَسَائِرِ النَّاسِ غَيْرِهِمْ ، وَقِيلَ : فَمَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي لَهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَعَلَامَ تَعْطِفُ إِنْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا قُلْتَ بِ ( ثُمَّ ) إِنْ لَمْ يَكُنْ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ : ( ظَلَمَ ) ؟ قِيلَ : عَلَى مَتْرُوكٍ اسْتُغْنِيَ بِدَلَالَةِ قَوْلِهِ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ عَلَيْهِ عَنْ إِظْهَارِهِ ، إِذْ كَانَ قَدْ جَرَى قَبْلَ ذَلِكَ مِنَ الْكَلَامِ نَظِيرُهُ ، وَهُوَ فَمَنْ ظَلَمَ مِنَ الْخَلْقِ . وَأَمَّا الَّذِينَ ذَكَرْنَا قَوْلَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةَ ، فَقَدْ قَالُوا عَلَى مَذْهَبِ الْعَرَبِيَّةِ ، غَيْرَ أَنَّهُمْ أَغْفَلُوا مَعْنَى الْكَلِمَةِ وَحَمَلُوهَا عَلَى غَيْرِ وَجْهِهَا مِنَ التَّأْوِيلِ . وَإِنَّمَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ الْكَلَامُ عَلَى وَجْهِهِ مِنَ التَّأْوِيلِ ، وَيُلْتَمَسُ لَهُ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ لِلْإِعْرَابِ فِي الصِّحَّةِ مَخْرَجٌ لَا عَلَى إِحَالَةِ الْكَلِمَةِ عَنْ مَعْنَاهَا وَوَجْهِهَا الصَّحِيحِ مِنَ التَّأْوِيلِ .
وَقَوْلُهُ : ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : فَمَنْ أَتَى ظُلْمًا مِنْ خَلْقِ اللَّهِ ، وَرَكِبَ مَأْثَمًا ، ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا ، يَقُولُ : ثُمَّ تَابَ مِنْ ظُلْمِهِ ذَلِكَ وَرُكُوبِهِ الْمَأْثَمَ ، فَإِنِّي غَفُورٌ يَقُولُ : فَإِنِّي سَاتِرٌ عَلَى ذَنْبِهِ وَظُلْمِهِ ذَلِكَ بِعَفْوِي عَنْهُ ، وَتَرْكِ عُقُوبَتِهِ عَلَيْهِ ( رَحِيمٌ ) بِهِ أَنْ أُعَاقِبَهُ بَعْدَ تَبْدِيلِهِ الْحَسَنَ بِضِدِّهِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ ، قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ جَمِيعًا ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، قَوْلَهُ : إِلا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِ إِسَاءَتِهِ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ