الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ "
) ﴿إِذْ قَالَ مُوسَى لأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ ﴾( 7 ) ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾( 8 ) يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَإِنَّكَ يَا مُحَمَّدُ لَتُحَفَّظُ الْقُرْآنَ وَتُعَلَّمُهُ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ يَقُولُ : مِنْ عِنْدِ حَكِيمٍ بِتَدْبِيرِ خَلْقِهِ ، عَلِيمٍ بِأَنْبَاءِ خَلْقِهِ وَمَصَالِحِهِمْ ، وَالْكَائِنِ مِنْ أُمُورِهِمْ ، وَالْمَاضِي مِنْ أَخْبَارِهِمْ ، وَالْحَادِثِ مِنْهَا . إِذْ قَالَ مُوسَى وَإِذْ مِنْ صِلَةِ عَلِيمٍ . وَمَعْنَى الْكَلَامِ : عَلِيمٌ حِينَ قَالَ مُوسَى ( لِأَهْلِهِ ) وَهُوَ فِي مَسِيرِهِ مِنْ مَدْيَنَ إِلَى مِصْرَ ، وَقَدْ آذَاهُمْ بَرْدُ لَيْلِهِمْ لَمَّا أَصْلَدَ زَنْدُهُ .
إِنِّي آنَسْتُ نَارًا أَيْ أَبْصَرْتُ نَارًا أَوْ أَحْسَسْتُهَا ، فَامْكُثُوا مَكَانَكُمْ سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ يَعْنِي مِنَ النَّارِ ، وَالْهَاءُ وَالْأَلِفُ مِنْ ذِكْرِ النَّارِ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ : بِشِهَابِ قَبَسٍ بِإِضَافَةِ الشِّهَابِ إِلَى الْقَبَسِ ، وَتَرْكِ التَّنْوِينِ ، بِمَعْنَى : أَوْ آتِيكُمْ بِشُعْلَةِ نَارٍ أَقْتَبِسُهَا مِنْهَا . وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْكُوفَةِ : بِشِهَابٍ قَبَسٍ بِتَنْوِينِ الشِّهَابِ وَتَرْكِ إِضَافَتِهِ إِلَى الْقَبَسِ ، يَعْنِي : أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ مُقْتَبَسٍ . وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ فِي قَرَأَةِ الْأَمْصَارِ ، مُتَقَارِبَتَا الْمَعْنَى ، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ .
وَكَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ يَقُولُ : إِذَا جُعِلَ الْقَبَسُ بَدَلًا مِنَ الشِّهَابِ ، فَالتَّنْوِينُ فِي الشِّهَابِ ، وَإِنْ أَضَافَ الشِّهَابَ إِلَى الْقَبَسِ لَمْ يُنَوَّنِ الشِّهَابُ . وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ : إِذَا أُضِيفَ الشِّهَابُ إِلَى الْقَبَسِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ وَلَدَارُ الآخِرَةِ مِمَّا يُضَافُ إِلَى نَفْسِهِ إِذَا اخْتَلَفَ اسْمَاهُ وَلَفْظَاهُ تَوَهُّمًا بِالثَّانِي أَنَّهُ غَيْرُ الْأَوَّلِ قَالَ : وَمِثْلُهُ حَبَّةُ الْخَضْرَاءِ ، وَلَيْلَةُ الْقَمْرَاءِ ، وَيَوْمُ الْخَمِيسِ وَمَا أَشْبَهَهُ . وَقَالَ آخَرُ مِنْهُمْ : إِنْ كَانَ الشِّهَابُ هُوَ الْقَبَسُ لَمْ تَجُزِ الْإِضَافَةُ ، لِأَنَّ الْقَبَسَ نَعْتٌ ، وَلَا يُضَافُ الِاسْمُ إِلَى نَعْتِهِ إِلَّا فِي قَلِيلٍ مِنَ الْكَلَامِ ، وَقَدْ جَاءَ : وَلَدَارُ الآخِرَةِ وَ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ .
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ : أَنَّ الشِّهَابَ إِذَا أُرِيدَ بِهِ أَنَّهُ غَيْرُ الْقَبَسِ ، فَالْقِرَاءَةُ فِيهِ بِالْإِضَافَةِ ، لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ حِينَئِذٍ ، مَا بَيَّنَّا مِنْ أَنَّهُ شُعْلَةُ قَبَسٍ ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : فِي كَفِّهِ صَعْدَةٌ مُثَقَّفَةٌ فِيهَا سِنَانٌ كَشُعْلَةِ الْقَبَسِ وَإِذَا أُرِيدَ بِالشِّهَابِ أَنَّهُ هُوَ الْقَبَسُ ، أَوْ أَنَّهُ نَعْتٌ لَهُ ، فَالصَّوَابُ فِي الشِّهَابِ التَّنْوِينُ ; لِأَنَّ الصَّحِيحَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ تَرْكُ إِضَافَةِ الِاسْمِ إِلَى نَعْتِهِ ، وَإِلَى نَفْسِهِ ، بَلِ الْإِضَافَاتُ فِي كَلَامِهَا الْمَعْرُوفِ إِضَافَةُ الشَّيْءِ إِلَى غَيْرِ نَفْسِهِ وَغَيْرِ نَعْتِهِ . وَقَوْلُهُ : لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ يَقُولُ : كَيْ تَصْطَلُوا بِهَا مِنَ الْبَرْدِ . وَقَوْلُهُ : فَلَمَّا جَاءَهَا يَقُولُ : فَلَمَّا جَاءَ مُوسَى النَّارَ الَّتِي آنَسَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا .
كَمَا حَدَّثَنَا عَلِيٌّ ، قَالَ : ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ ، قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَوْلَهُ : نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ يَقُولُ : قُدِّسَ . وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْمَعْنِيِّ بِقَوْلِهِ مَنْ فِي النَّارِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ : عَنَى جَلَّ جَلَالُهُ بِذَلِكَ نَفْسَهُ ، وَهُوَ الَّذِي كَانَ فِي النَّارِ ، وَكَانَتِ النَّارُ نُورَهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ فِي قَوْلِ جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، قَالَ : ثَنِي عَمِّي ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فِي قَوْلِهِ : فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ يَعْنِي نَفْسَهُ ; قَالَ : كَانَ نُورُ رَبِّ الْعَالَمِينَ فِي الشَّجَرَةِ .
حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ الْهَيْثَمِ أَبُو الْعَالِيَةِ الْعَبْدِيُّ ، قَالَ : ثَنَا أَبُو قُتَيْبَةَ ، عَنْ وَرْقَاءَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، فِي قَوْلِ اللَّهِ : بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ قَالَ : نَادَاهُ وَهُوَ فِي النَّارِ . حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثَنَا أَبُو سُفْيَانَ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ : نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا قَالَ : هُوَ النُّورُ . قَالَ مَعْمَرٌ : قَالَ قَتَادَةُ : بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ قَالَ : نُورُ اللَّهِ بُورِكَ .
قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، قَالَ : قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ : بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : بُورِكَتِ النَّارُ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي الْحَارِثُ ، قَالَ : ثَنَا الْأَشْيَبُ ، قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ بُورِكَتِ النَّارُ .
كَذَلِكَ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ . حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ ، قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ ، قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ جَمِيعًا ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، فِي قَوْلِهِ : أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ قَالَ : بُورِكَتِ النَّارُ . حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، قَالَ : قَالَ مُجَاهِدٌ : بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ قَالَ : بُورِكَتِ النَّارُ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ الْقَزَّازُ قَالَ : ثَنَا مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : ثَنَا مُوسَى ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ ، فِي قَوْلِهِ : أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ نُورُ الرَّحْمَنِ ، وَالنُّورُ هُوَ اللَّهُ وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى النَّارِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَاهُ : النُّورُ ، كَمَا ذَكَرْتُ عَمَّنْ ذَكَرْتُ ذَلِكَ عَنْهُ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَاهُ النَّارُ لَا النُّورُ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، أَنَّهُ قَالَ : حِجَابُ الْعِزَّةِ ، وَحِجَابُ الْمُلْكِ ، وَحِجَابُ السُّلْطَانِ ، وَحِجَابُ النَّارِ ، وَهِيَ تِلْكَ النَّارُ الَّتِي نُودِيَ مِنْهَا . قَالَ : وَحِجَابُ النُّورِ ، وَحِجَابُ الْغَمَامِ ، وَحِجَابُ الْمَاءِ ، وَإِنَّمَا قِيلَ : بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ ، وَلَمْ يَقُلْ : بُورِكَ فَيمَنْ فِي النَّارِ عَلَى لُغَةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ : بَارَكَكَ اللَّهُ . وَالْعَرَبُ تَقُولُ : بَارَكَكَ اللَّهُ ، وَبَارَكَ فِيكَ .
وَقَوْلُهُ : وَمَنْ حَوْلَهَا يَقُولُ : وَمَنْ حَوْلَ النَّارِ . وَقِيلَ : عَنَى بِمَنْ حَوْلَهَا : الْمَلَائِكَةَ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، قَالَ : ثَنِي عَمِّي ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : وَمَنْ حَوْلَهَا قَالَ : يَعْنِي الْمَلَائِكَةَ .
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنِ الْحَسَنِ ، مِثْلَهُ . وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ مُوسَى وَالْمَلَائِكَةُ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ الْقَزَّازُ ، قَالَ : ثَنَا مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : ثَنَا مُوسَى ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ وَمَنْ حَوْلَهَا قَالَ : مُوسَى النَّبِيُّ وَالْمَلَائِكَةُ ، ثُمَّ قَالَ : رَبِّ الْعَالَمِينَ يَامُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ .
وَقَوْلُهُ : وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ يَقُولُ : وَتَنْزِيهًا لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، مِمَّا يَصِفُهُ بِهِ الظَّالِمُونَ .