الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ "
) ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ ﴾( 28 ) يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : ( قَالَ ) سُلَيْمَانُ لِلْهُدْهُدِ : ( سَنَنْظُرُ ) فِيمَا اعْتَذَرْتَ بِهِ مِنَ الْعُذْرِ ، وَاحْتَجَجْتَ بِهِ مِنَ الْحُجَّةِ لِغَيْبَتِكَ عَنَّا ، وَفِيمَا جِئْتَنَا بِهِ مِنَ الْخَيْرِ ( أَصَدَقْتَ ) فِي ذَلِكَ كُلِّهِ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ فِيهِ ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ ﴾ فَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ ; فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَاهُ : اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا ، فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ، فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ ، ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ مُنْصَرِفًا إِلَيَّ ، فَقَالَ : هُوَ مِنَ الْمُؤَخَّرِ الَّذِي مَعْنَاهُ التَّقْدِيمُ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ : فَأَجَابَهُ سُلَيْمَانُ ، يَعْنِي أَجَابَ الْهُدْهُدَ لَمَّا فَرَغَ : سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ وَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ ، ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ مُنْصَرِفًا إِلَيَّ . وَقَالَ : وَكَانَتْ لَهَا كُوَّةٌ مُسْتَقْبِلَةٌ الشَّمْسَ ، سَاعَةَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ تَطْلُعُ فِيهَا فَتَسْجُدُ لَهَا ، فَجَاءَ الْهُدْهُدُ حَتَّى وَقْعَ فِيهَا فَسَدَّهَا ، وَاسْتَبْطَأَتِ الشَّمْسَ ، فَقَامَتْ تَنْظُرُ ، فَرَمَى بِالصَّحِيفَةِ إِلَيْهَا مِنْ تَحْتِ جَنَاحِهِ ، وَطَارَ حَتَّى قَامَتْ تَنْظُرُ الشَّمْسَ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَهَذَا الْقَوْلُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ زَيْدٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْهُدْهُدَ تَوَلَّى إِلَى سُلَيْمَانَ رَاجِعًا بَعْدَ إِلْقَائِهِ الْكِتَابَ ، وَأَنَّ نَظَرَهُ إِلَى الْمَرْأَةِ مَا الَّذِي تَرْجِعُ وَتَفْعَلُ كَانَ قَبْلَ إِلْقَائِهِ كِتَابَ سُلَيْمَانَ إِلَيْهَا . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ، ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ ، فَكُنْ قَرِيبًا مِنْهُمْ ، وَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ ; قَالُوا : وَفَعَلَ الْهُدْهُدُ ، وَسَمِعَ مُرَاجَعَةَ الْمَرْأَةِ أَهْلَ مَمْلَكَتِهَا ، وَقَوْلَهَا لَهُمْ : إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ وَمَا بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ مُرَاجَعَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : ثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ ، قَوْلَهُ : فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ أَيْ كُنْ قَرِيبًا فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ وَهَذَا الْقَوْلُ أَشْبَهُ بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ ; لِأَنَّ مُرَاجَعَةَ الْمَرْأَةِ قَوْمَهَا ، كَانَتْ بَعْدَ أَنْ أُلْقِيَ إِلَيْهَا الْكِتَابَ ، وَلَمْ يَكُنِ الْهُدْهُدُ لِيَنْصَرِفَ وَقَدْ أُمِرَ بِأَنْ يَنْظُرَ إِلَى مُرَاجَعَةِ الْقَوْمِ بَيْنَهُمْ مَا يَتَرَاجَعُونَهُ قَبْلَ أَنْ يَفْعَلَ مَا أَمَرَهُ بِهِ سُلَيْمَانُ .