الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ "
) ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴾( 74 ) يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : ( وَإِنَّ رَبَّكَ ) يَا مُحَمَّدُ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ بِتَرْكِهِ مُعَاجَلَتَهُمْ بِالْعُقُوبَةِ عَلَى مَعْصِيَتِهِمْ إِيَّاهُ ، وَكُفْرِهِمْ بِهِ ، وَذُو إِحْسَانٍ إِلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ وَفِي غَيْرِهِ مِنْ نِعَمِهِ عِنْدَهُمْ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ لَا يَشْكُرُونَهُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ إِحْسَانِهِ وَفَضْلِهِ عَلَيْهِمْ ، فَيُخْلِصُوا لَهُ الْعِبَادَةَ ، وَلَكِنَّهُمْ يُشْرِكُونَ مَعَهُ فِي الْعِبَادَةِ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَمَنْ لَا فَضْلَ لَهُ عِنْدَهُمْ وَلَا إِحْسَانٌ . وَقَوْلُهُ : ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴾ يَقُولُ : وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ضَمَائِرَ صُدُورِ خَلْقِهِ ، وَمَكْنُونَ أَنْفُسِهِمْ ، وَخَفِيَّ أَسْرَارِهِمْ ، وَعَلَانِيَةَ أُمُورِهِمُ الظَّاهِرَةِ ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ ، وَهُوَ مُحْصِيهَا عَلَيْهِمْ حَتَّى يُجَازِيَ جَمِيعَهُمْ بِالْإِحْسَانِ إِحْسَانًا وَبِالْإِسَاءَةِ جَزَاءَهَا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : ثَنِي الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ : وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ قَالَ : السِّرُّ .