الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا . . . . "
) يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا مُحَمَّدُ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ وَهِيَ مَكَّةُ الَّذِي حَرَّمَهَا عَلَى خَلْقِهِ أَنْ يَسْفِكُوا فِيهَا دَمًا حَرَامًا ، أَوْ يَظْلِمُوا فِيهَا أَحَدًا ، أَوْ يُصَادَ صَيْدُهَا ، أَوْ يُخْتَلَى خَلَاهَا دُونَ الْأَوْثَانِ الَّتِي تَعْبُدُونَهَا أَيُّهَا الْمُشْرِكُونَ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلَهُ : إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا يَعْنِي : مَكَّةَ .
وَقَوْلُهُ : وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ يَقُولُ : وَلِرَبِّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الْأَشْيَاءُ كُلُّهَا مْلُكًا . فَإِيَّاهُ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ، لَا مَنْ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا . وَإِنَّمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا فَخَصَّهَا بِالذِّكْرِ دُونَ سَائِرِ الْبُلْدَانِ ، وَهُوَ رَبُّ الْبِلَادِ كُلِّهَا ، لِأَنَّهُ أَرَادَ تَعْرِيفَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ قَوْمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، الَّذِينَ هُمْ أَهْلُ مَكَّةَ ، بِذَلِكَ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِمْ ، وَإِحْسَانَهُ إِلَيْهِمْ ، وَأَنَّ الَّذِي يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَعْبُدُوهُ هُوَ الَّذِي حَرَّمَ بَلَدَهُمْ ، فَمَنَعَ النَّاسَ مِنْهُمْ ، وَهُمْ فِي سَائِرِ الْبِلَادِ يَأْكُلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ، وَيَقْتُلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ، لَا مَنْ لَمْ تَجْرِ لَهُ عَلَيْهِمْ نِعْمَةٌ ، وَلَا يَقْدِرُ لَهُمْ عَلَى نَفْعٍ وَلَا ضَرٍّ .
وَقَوْلُهُ : وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَقُولُ : وَأَمَرَنِي رَبِّي أَنْ أُسْلِمَ وَجْهِيَ لَهُ حَنِيفًا ، فَأَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ دَانُوا بِدِينِ خَلِيلِهِ إِبْرَاهِيمَ وَجَدِّكُمْ أَيُّهَا الْمُشْرِكُونَ ، لَا مَنْ خَالَفَ دَيْنَ جَدِّهِ الْمُحِقِّ ، وَدَانَ دِينَ إِبْلِيسَ عَدُوِّ اللَّهِ .