الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا . . . . . . "
) يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : إِنَّ فِرْعَوْنَ تَجَبَّرَ فِي أَرْضِ مِصْرَ وَتَكَبَّرَ ، وَعَلَا أَهْلَهَا وَقَهَرَهُمْ ، حَتَّى أَقَرُّوا لَهُ بِالْعُبُودَةِ . كَمًّا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ هَارُونَ ، قَالَ : ثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ : ثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ يَقُولُ : تَجَبَّرَ فِي الْأَرْضِ . حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ أَيْ : بَغَى فِي الْأَرْضِ .
وَقَوْلُهُ : وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَعْنِي بِالشِّيَعِ : الْفِرَقَ ، يَقُولُ : وَجَعَلَ أَهْلَهَا فِرَقًا مُتَفَرِّقِينَ . كَمَا حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا : أَيْ فِرَقًا يُذَبِّحُ طَائِفَةً مِنْهُمْ ، وَيَسْتَحْيِي طَائِفَةً ، وَيُعَذِّبُ طَائِفَةً ، وَيَسْتَعْبِدُ طَائِفَةً ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ . حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ ، قَالَ : ثَنَا عَمْرٌو ، قَالَ : ثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ ، قَالَ : كَانَ مِنْ شَأْنِ فِرْعَوْنَ أَنَّهُ رَأَى رُؤْيَا فِي مَنَامِهِ ، أَنَّ نَارًا أَقْبَلَتْ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ حَتَّى اشْتَمَلَتْ عَلَى بُيُوتِ مِصْرَ ، فَأَحْرَقَتِ الْقِبْطَ ، وَتَرَكَتْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، وَأَحْرَقَتْ بُيُوتَ مِصْرَ ، فَدَعَا السَّحَرَةَ وَالْكَهَنَةَ وَالْقَافَةَ وَالْحَازَةَ فَسَأَلَهُمْ عَنْ رُؤْيَاهُ ، فَقَالُوا لَهُ : يَخْرُجُ مِنْ هَذَا الْبَلَدِ الَّذِي جَاءَ بَنُو إِسْرَائِيلَ مِنْهُ ، يَعْنُونَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ ، رَجُلٌ يَكُونُ عَلَى وَجْهِهِ هَلَاكُ مِصْرَ ، فَأَمَرَ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ لَا يُولَدَ لَهُمْ غُلَامٌ إِلَّا ذَبَحُوهُ ، وَلَا تُولَدُ لَهُمْ جَارِيَةً إِلَّا تُرِكَتْ ، وَقَالَ لِلْقِبْطِ : انْظُرُوا مَمْلُوكِيكُمُ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ خَارِجًا فَأَدْخِلُوهُمْ ، وَاجْعَلُوا بَنِي إِسْرَائِيلَ يَلُونَ تِلْكَ الْأَعْمَالَ الْقَذِرَةَ ، فَجَعَلَ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي أَعْمَالِ غِلْمَانِهِمْ ، وَأَدْخَلُوا غِلْمَانَهُمْ ، فَذَلِكَ حِينَ يَقُولُ : إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَعْنِي بَنِي إِسْرَائِيلَ ، حِينَ جَعَلَهُمْ فِي الْأَعْمَالِ الْقَذِرَةِ .
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ ، قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ ، قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ جَمِيعًا ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا قَالَ : فَرَّقَ بَيْنَهُمْ . حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا قَالَ : فِرَقًا . حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ : وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا قَالَ : الشِّيَعُ : الْفِرَقُ .
وَقَوْلُهُ : يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ ذُكِرَ أَنَّ اسْتِضْعَافَهُ إِيَّاهَا كَانَ اسْتِعْبَادَهُ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثَنِي أَبُو سُفْيَانَ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ : يَسْتَعْبِدُ طَائِفَةً مِنْهُمْ ، وَيُذَبِّحُ طَائِفَةً ، وَيَقْتُلُ طَائِفَةً ، وَيَسْتَحْيِي طَائِفَةً . وَقَوْلُهُ : إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ يَقُولُ : إِنَّهُ كَانَ مِمَّنْ يُفْسِدُ فِي الْأَرْضِ بِقَتْلِهِ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ مِنْهُ الْقَتْلَ ، وَاسْتِعْبَادِهِ مَنْ لَيْسَ لَهُ اسْتِعْبَادُهُ ، وَتَجَبُّرِهِ فِي الْأَرْضِ عَلَى أَهْلِهَا ، وَتَكَبُّرِهِ عَلَى عِبَادَةِ رَبِّهِ .