الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ . . . . . "
) ﴿اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ ﴾( 32 ) يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : نُودِيَ مُوسَى : أَنْ يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَأَلْقَاهَا مُوسَى ، فَصَارَتْ حَيَّةً تَسْعَى . ( فَلَمَّا رَآهَا ) مُوسَى ( تَهْتَزُّ ) يَقُولُ : تَتَحَرَّكُ وَتَضْطَرِبُ ( كَأَنَّهَا جَانٌّ ) وَالْجَانُّ وَاحِدُ الْجِنَّانِ ، وَهِيَ نَوْعٌ مَعْرُوفٌ مِنْ أَنْوَاعِ الْحَيَّاتِ ، وَهِيَ مِنْهَا عِظَامٌ . وَمَعْنَى الْكَلَامِ : كَأَنَّهَا جَانٌّ مِنَ الْحَيَّاتِ ( وَلَّى مُدْبِرًا ) يَقُولُ : وَلَّى مُوسَى هَارِبًا مِنْهَا .
كَمَا حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ( وَلَّى مُدْبِرًا ) فَارًّا مِنْهَا ، ( وَلَمْ يُعَقِّبْ ) يَقُولُ : وَلَمْ يَرْجِعْ عَلَى عَقِبِهِ . وَقَدْ ذَكَرْنَا الرِّوَايَةَ فِي ذَلِكَ ، وَمَا قَالَهُ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِيمَا مَضَى ، فَكَرِهْنَا إِعَادَتَهُ ، غَيْرَ أَنَّا نَذْكُرُ فِي ذَلِكَ بَعْضَ مَا لَمْ نَذْكُرْهُ هُنَالِكَ . حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ وَلَمْ يُعَقِّبْ يَقُولُ : وَلَمْ يُعَقِّبْ ، أَيْ لَمْ يَلْتَفِتْ مِنَ الْفَرَقِ .
حَدَّثَنَا مُوسَى ، قَالَ : ثَنَا عَمْرٌو ، قَالَ : ثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ ( وَلَمْ يُعَقِّبْ ) يَقُولُ : لَمْ يَنْتَظِرْ . وَقَوْلُهُ : يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : فَنُودِيَ مُوسَى : يَا مُوسَى أَقْبِلْ إِلَيَّ وَلَا تَخَفْ مِنَ الَّذِي تَهْرُبُ مِنْهُ إِنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ مِنْ أَنْ يَضُرَّكَ ، إِنَّمَا هُوَ عَصَاكَ . وَقَوْلُهُ : اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ يَقُولُ : أَدْخِلْ يَدَكَ ، وَفِيهِ لُغَتَانِ : سَلَكْتُهُ ، وَأَسْلَكْتُهُ ( فِي جَيْبِكَ ) يَقُولُ : فِي جَيْبِ قَمِيصِكَ .
كَمَا حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ : أَيْ فِي جَيْبِ قَمِيصِكَ . وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى السَّبَبَ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ أُمِرَ أَنْ يُدْخِلَ يَدَهُ فِي الْجَيْبِ دُونَ الْكُمِّ . وَقَوْلُهُ : تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ يَقُولُ : تَخْرُجُ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ بَرَصٍ .
كَمًّا حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا ابْنُ الْمُفَضَّلِ ، قَالَ : ثَنَا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ ، عَنِ الْحَسَنِ ، فِي قَوْلِهِ : اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ قَالَ : فَخَرَجَتْ كَأَنَّهَا الْمِصْبَاحُ ، فَأَيْقَنَ مُوسَى أَنَّهُ لَقِيَ رَبَّهُ . وَقَوْلُهُ : وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ يَقُولُ : وَاضْمُمْ إِلَيْكَ يَدَكَ . كَمَا حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ قَالَ : يَدَكَ .
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : ثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ قَالَ : وَجَنَاحَاهُ : الذِّرَاعُ . وَالْعَضُدُ : هُوَ الْجَنَاحُ . وَالْكَفُّ : الْيَدُ ، اضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ .
وَقَوْلُهُ : مِنَ الرَّهْبِ يَقُولُ : مِنَ الْخَوْفِ وَالْفَرَقِ الَّذِي قَدْ نَالَكَ مِنْ مُعَايَنَتِكَ مَا عَايَنْتَ مِنْ هَوْلِ الْحَيَّةِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ ، قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ جَمِيعًا ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، فِي قَوْلِهِ : مِنَ الرَّهْبِ قَالَ : الْفَرَقِ .
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثَنَا حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، مِثْلَهُ . حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ : أَيْ مِنَ الرُّعْبِ . حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ : مِنَ الرَّهْبِ قَالَ : مِمَّا دَخَلَهُ مِنَ الْفَرَقِ مِنَ الْحَيَّةِ وَالْخَوْفِ ، وَقَالَ : ذَلِكَ الرَّهَبُ ، وَقَرَأَ قَوْلَ اللَّهِ : يَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا قَالَ : خَوْفًا وَطَمَعًا .
وَاخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْحِجَازِ وَالْبَصْرَةِ : مِنَ الرَّهَبِ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالْهَاءِ . وَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ : مِنَ الرُّهْبِ بِضَمِّ الرَّاءِ وَتَسْكِينِ الْهَاءِ ، وَالْقَوْلُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مُتَّفِقَتَا الْمَعْنَى مَشْهُورَتَانِ فِي قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ ، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ . وَقَوْلُهُ : فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : فَهَذَانِ اللَّذَانِ أَرَيْتُكَهُمَا يَا مُوسَى مِنْ تَحَوُّلِ الْعَصَا حَيَّةً ، وَيَدَكَ وَهِيَ سَمْرَاءُ بَيْضَاءَ تَلْمَعُ مِنْ غَيْرِ بَرَصٍ ، بُرْهَانَانِ : يَقُولُ : آيَتَانِ وَحُجَّتَانِ .
وَأَصْلُ الْبُرْهَانِ : الْبَيَانُ ، يُقَالُ لِلرَّجُلِ يَقُولُ الْقَوْلَ إِذَا سُئِلَ الْحُجَّةَ عَلَيْهِ : هَاتِ بُرْهَانَكَ عَلَى مَا تَقُولُ : أَيْ هَاتِ تِبْيَانَ ذَلِكَ وَمِصْدَاقَهُ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ ، قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا مُوسَى ، قَالَ : ثَنَا عَمْرٌو ، قَالَ : ثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ الْعَصَا وَالْيَدُ آيَتَانِ .
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، فِي قَوْلِ اللَّهِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ تِبْيَانَانِ مِنْ رَبِّكَ . حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : ثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ هَذَانِ بُرْهَانَانِ . حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ : فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ فَقَرَأَ : هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ عَلَى ذَلِكَ آيَةً نَعْرِفُهَا ، وَقَالَ : بُرْهَانَانِ آيَتَانِ مِنَ اللَّهِ .
وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ : ( فَذَانِكَ ) فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ ، سِوَى ابْنِ كَثِيرٍ وَأَبِي عَمْرٍو : ( فَذَانِكَ ) بِتَخْفِيفِ النُّونِ ، لِأَنَّهَا نُونُ الِاثْنَيْنِ ، وَقَرَأَهُ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو : فَذَانِّكَ بِتَشْدِيدِ النُّونِ . وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي وَجْهِ تَشْدِيدِهَا ، فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ : ثَقَّلَ النُّونَ مَنْ ثَقَّلَهَا لِلتَّوْكِيدِ ، كَمَا أَدْخَلُوا اللَّامَ فِي ذَلِكَ . وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ : شُدِّدَتْ فَرْقًا بَيْنَهَا وَبَيْنَ النُّونِ الَّتِي تُسْقَطُ لِلْإِضَافَةِ ، لِأَنَّ هَاتَانِ وَهَذَانِ لَا تُضَافُ .
وَقَالَ آخَرُ مِنْهُمْ : هُوَ مِنْ لُغَةِ مَنْ قَالَ : هَذَاآ قَالَ ذَلِكَ ، فَزَادَ عَلَى الْأَلِفِ أَلِفًا ، كَذَا زَادَ عَلَى النُّونِ نُونًا لِيَفْصِلَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْأَسْمَاءِ الْمُتَمَكِّنَةِ ، وَقَالَ فِي ( ذَانِكَ ) إِنَّمَا كَانَتْ ذَلِكَ فِيمَنْ قَالَ : هَذَانِ يَا هَذَا ، فَكَرِهُوا تَثْنِيَةَ الْإِضَافَةِ فَأَعْقَبُوهَا بِاللَّامِ ، لِأَنَّ الْإِضَافَةَ تَعْقُبُ بِاللَّامِ . وَكَانَ أَبُو عَمْرٍو يَقُولُ : التَّشْدِيدُ فِي النُّونِ فِي ذَانِّكَ مِنْ لُغَةِ قُرَيْشٍ . يَقُولُ : إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِلَى فِرْعَوْنَ وَأَشْرَافِ قَوْمِهِ ، حُجَّةً عَلَيْهِمْ ، وَدَلَالَةً عَلَى حَقِيقَةِ نُبُوَّتِكَ يَا مُوسَى إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ يَقُولُ : إِنَّ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ كَانُوا قَوْمًا كَافِرِينَ .