الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا . . . . . "
) يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَقَالَتْ كُفَّارُ قُرَيْشٍ : إِنْ نَتَّبِعِ الْحَقَّ الَّذِي جِئْتَنَا بِهِ مَعَكَ ، وَنَتَبَرَّأُ مِنَ الْأَنْدَادِ وَالْآلِهَةِ ، يَتَخَطَّفُنَا النَّاسُ مِنْ أَرْضِنَا بِإِجْمَاعِ جَمِيعِهِمْ عَلَى خِلَافِنَا وَحَرْبِنَا ، يَقُولُ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ : فَقُلْ : أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا يَقُولُ : أَوَلَمْ نُوَطِّئْ لَهُمْ بَلَدًا حَرَّمْنَا عَلَى النَّاسِ سَفْكَ الدِّمَاءِ فِيهِ ، وَمَنَعْنَاهُمْ مِنْ أَنْ يَتَنَاوَلُوا سُكَّانَهُ فِيهِ بِسُوءٍ ، وَأَمَّنَّا عَلَى أَهْلِهِ مِنْ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِهَا غَارَةٌ ، أَوْ قَتْلٌ ، أَوْ سِبَاءٌ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مَلِيكَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ نَوْفَلٍ ، الَّذِي قَالَ : إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا وَزَعَمُوا أَنَّهُمْ قَالُوا : قَدْ عَلِمْنَا أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ، وَلَكِنَّا نَخَافُ أَنْ نُتَخَطَّفَ مِنْ أَرْضِنَا ، أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ الْآيَةَ .
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، قَالَ : ثَنِي عَمِّي ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَوْلَهُ : وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا قَالَ : هُمْ أُنَاسٌ مِنْ قُرَيْشٍ قَالُوا لِمُحَمَّدٍ : إِنْ نَتَّبِعْكَ يَتَخَطَّفْنَا النَّاسُ ، فَقَالَ اللَّهُ : أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ . حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ : وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ : قَالَ : كَانَ يُغِيرُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ : أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلَهُ : وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا قَالَ اللَّهُ : أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ يَقُولُ : أَوَلَمْ يَكُونُوا آمِنِينَ فِي حَرَمِهِمْ لَا يُغْزَوْنَ فِيهِ وَلَا يَخَافُونَ ، يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ . حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ ثَنْي أَبُو سُفْيَانَ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا قَالَ : كَانَ أَهْلُ الْحَرَمِ آمِنِينَ يَذْهَبُونَ حَيْثُ شَاءُوا ، إِذَا خَرَجَ أَحَدُهُمْ فَقَالَ : إِنِّي مِنْ أَهْلِ الْحَرَمِ لَمْ يُتَعَرَّضْ لَهُ ، وَكَانَ غَيْرُهُمْ مِنَ النَّاسِ إِذَا خَرَجَ أَحَدُهُمْ قُتِلَ . حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ : أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا قَالَ : آمَنَّاكُمْ بِهِ ، قَالَ هِيَ مَكَّةُ ، وَهُمْ قُرَيْشٌ .
وَقَوْلُهُ : يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ يَقُولُ يُجْمَعُ إِلَيْهِ ، وَهُوَ مِنْ قَوْلِهِمْ : جَبَيْتُ الْمَاءَ فِي الْحَوْضِ : إِذَا جَمَعْتُهُ فِيهِ ، وَإِنَّمَا أُرِيدَ بِذَلِكَ : يُحْمَلُ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ بَلَدٍ . كَمَا حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ ثَنَا ابْنُ عَطِيَّةَ ، عَنْ شَرِيكٍ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي زُرْعَةَ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ قَالَ : ثَمَرَاتُ الْأَرْضِ . وَقَوْلُهُ : رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا يَقُولُ : وَرِزْقًا رَزَقْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا ، يَعْنِي : مِنْ عِنْدِنَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَلَكِنَّ أَكْثَرَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الْقَائِلِينَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا لَا يَعْلَمُونَ أَنَّا نَحْنُ الَّذِينَ مَكَّنَّا لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا ، وَرَزَقْنَاهُمْ فِيهِ ، وَجَعَلْنَا الثَّمَرَاتِ مِنْ كُلِّ أَرْضٍ تُجْبَى إِلَيْهِمْ ، فَهُمْ بِجَهْلِهِمْ بِمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ يَكْفُرُونَ ، لَا يَشْكُرُونَ مَنْ أَنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ .