الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ "
) يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَمِنْ رَحْمَتِهِ بِكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ فَخَالَفَ بَيْنَهُمَا ، فَجَعَلَ هَذَا اللَّيْلَ ظَلَامًا لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَتَهْدَءُوا وَتَسْتَقِرُّوا لِرَاحَةِ أَبْدَانِكُمْ فِيهِ مِنْ تَعَبِ التَّصَرُّفَ الَّذِي تَتَصَرَّفُونَ نَهَارًا لِمَعَايِشِكُمْ . وَفِي الْهَاءِ الَّتِي فِي قَوْلِهِ : لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ تَكُونَ مِنْ ذِكْرِ اللَّيْلِ خَاصَّةً ، وَيُضْمِرُ لِلنَّهَارِ مَعَ الِابْتِغَاءِ هَاءً أُخْرَى . وَالثَّانِي : أَنْ تَكُونَ مِنْ ذِكْرِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ، فَيَكُونَ وَجْهُ تَوْحِيدِهَا وَهِيَ لَهُمَا وَجْهَ تَوْحِيدِ الْعَرَبِ فِي قَوْلِهِمْ : إِقْبَالُكَ وَإِدْبَارُكَ يُؤْذِينِي ; لِأَنَّ الْإِقْبَالَ وَالْإِدْبَارَ فِعْلٌ ، وَالْفِعْلُ يُوَحَّدُ كَثِيرُهُ وَقَلِيلُهُ .
وَجَعَلَ هَذَا النَّهَارَ ضِيَاءً تُبْصِرُونَ فِيهِ ، فَتَتَصَرَّفُونَ بِأَبْصَارِكُمْ فِيهِ لِمَعَايِشِكُمْ ، وَابْتِغَاءِ رِزْقِهِ الَّذِي قَسَّمَهُ بَيْنَكُمْ بِفَضْلِهِ الَّذِي تَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ . وَقَوْلُهُ : وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَلِتَشْكُرُوهُ عَلَى إِنْعَامِهِ عَلَيْكُمْ بِذَلِكَ ، فَعَلَ ذَلِكَ بِكُمْ لِتُفْرِدُوهُ بِالشُّكْرِ ، وَتُخْلِصُوا لَهُ الْحَمْدَ ، لِأَنَّهُ لَمْ يُشْرِكْهُ فِي إِنْعَامِهِ عَلَيْكُمْ بِذَلِكَ شَرِيكٌ ، فَلِذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْحَمْدِ عَلَيْهِ .