الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ "
) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَلَقَدِ اخْتَبَرْنَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْأُمَمِ - مِمَّنْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلَنَا ، فَقَالُوا مِثْلَ مَا قَالَتْهُ أُمَّتُكَ يَا مُحَمَّدُ - بِأَعْدَائِهِمْ ، وَتَمْكِينِنَا إِيَّاهُمْ مِنْ أَذَاهُمْ ، كَمُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ ، فَابْتَلَيْنَاهُمْ بِفِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ . وَكَعِيسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ ، فَابْتَلَيْنَا مَنِ اتَّبَعَهُ بِمَنْ تَوَلَّى عَنْهُ ، فَكَذَلِكَ ابْتَلَيْنَا أَتْبَاعَكَ بِمُخَالِفِيكَ مِنْ أَعْدَائِكَ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا مِنْهُمْ فِي قِيْلِهِمْ آمَنَّا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ مِنْهُمْ فِي قِيْلِهِمْ ذَلِكَ ، وَاللَّهُ عَالِمٌ بِذَلِكَ مِنْهُمْ قَبْلَ الِاخْتِبَارِ ، وَفِي حَالِ الِاخْتِبَارِ ، وَبَعْدَ الِاخْتِبَارِ ، وَلَكِنْ مَعْنَى ذَلِكَ : وَلَيُظْهِرَنَّ اللَّهُ صِدْقَ الصَّادِقِ مِنْهُمْ فِي قِيلِهِ : آمَنَّا بِاللَّهِ مِنْ كَذِبِ الْكَاذِبِ مِنْهُمْ بِابْتِلَائِهِ إِيَّاهُ بِعَدُوِّهِ ، لِيَعْلَمَ صِدْقَهُ مِنْ كَذِبِهِ أَوْلِيَاؤُهُ ، عَلَى نَحْوِ مَا قَدْ بَيَّنَّاهُ فِيمَا مَضَى قَبْلُ . وَذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَذَّبَهُمُ الْمُشْرِكُونَ ، فَفُتِنَ بَعْضُهُمْ ، وَصَبَرَ بَعْضُهُمْ عَلَى أَذَاهُمْ حَتَّى أَتَاهُمُ اللَّهُ بِفَرَجٍ مِنْ عِنْدِهِ .
ذِكْرُ الرِّوَايَةِ بِذَلِكَ : حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : ثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ يَقُولُ : نَزَلَتْ - يَعْنِي - هَذِهِ الْآيَةُ الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا إِلَى قَوْلِهِ : وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ فِي عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ، إِذْ كَانَ يُعَذَّبُ فِي اللَّهِ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ نَزَلَ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ قَوْمٍ كَانُوا قَدْ أَظْهَرُوا الْإِسْلَامَ بِمَكَّةَ ، وَتَخَلَّفُوا عَنِ الْهِجْرَةِ ، وَالْفِتْنَةُ الَّتِي فُتِنَ بِهَا هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ - عَلَى مَقَالَةِ هَؤُلَاءِ - هِيَ الْهِجْرَةُ الَّتِي امْتُحِنُوا بِهَا . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ مَطَرٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ : إِنَّهَا نَزَلَتْ ، يَعْنِي الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا الْآيَتَيْنِ ، فِي أُنَاسٍ كَانُوا بِمَكَّةَ أَقَرُّوا بِالْإِسْلَامِ ، فَكَتَبَ إِلَيْهِمْ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ نَبِيِّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الْمَدِينَةِ : إِنَّهُ لَا يَقْبَلُ مِنْكُمْ إِقْرَارًا بِالْإِسْلَامِ حَتَّى تُهَاجِرُوا ، فَخَرَجُوا عَامِدِينَ إِلَى الْمَدِينَةِ ، فَاتَّبَعَهُمُ الْمُشْرِكُونَ ، فَرَدُّوهُمْ ، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الْآيَةُ ، فَكَتَبُوا إِلَيْهِمْ : إِنَّهُ قَدْ نَزَلَتْ فِيكُمْ آيَةُ كَذَا وَكَذَا ، فَقَالُوا : نَخْرُجُ ، فَإِنِ اتَّبَعَنَا أَحَدٌ قَاتَلْنَاهُ ، قَالَ : فَخَرَجُوا فَاتَّبَعَهُمُ الْمُشْرِكُونَ فَقَاتَلُوهُمْ ثَمَّ ، فَمِنْهُمْ مَنْ قُتِلَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ نَجَا ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾.
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلَهُ : وَلَقَدْ فَتَنَّا قَالَ : ابْتَلَيْنَا . حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : ثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ . حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ : ثَنَا مُؤَمَّلٌ قَالَ : ثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ أَبِي هَاشِمٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَالَ : ابْتَلَيْنَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ .
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : ثَنَا أَبِي ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ أَبِي هَاشِمٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ . حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَيِ : ابْتَلَيْنَا .