الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ "
) ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ﴾( 2 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : ( الم ) وَذَكَرْنَا أَقْوَالَ أَهْلِ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِهِ ، وَالَّذِي هُوَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ مِنْ أَقْوَالِهِمْ عِنْدَنَا بِشَوَاهِدِهِ فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ﴾ فَإِنَّ مَعْنَاهُ : أَظَنَّ الَّذِينَ خَرَجُوا يَا مُحَمَّدُ مِنْ أَصْحَابِكَ مِنْ أَذَى الْمُشْرِكِينَ إِيَّاهُمْ أَنْ نَتْرُكَهُمْ بِغَيْرِ اخْتِبَارٍ وَلَا ابْتِلَاءِ امْتِحَانٍ ، بِأَنْ قَالُوا : آمَنَّا بِكَ يَا مُحَمَّدُ فَصَدَّقْنَاكَ فِيمَا جِئْتَنَا بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، كَلَّا لَنَخْتَبِرَنَّهُمْ ؛ لِيَتَبَيَّنَ الصَّادِقُ مِنْهُمْ مِنَ الْكَاذِبِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، فِي قَوْلِ اللَّهِ : آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ قَالَ : يُبْتَلُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ . حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : ثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ . حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ أَيْ : لَا يُبْتَلُونَ .
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ : ثَنَا مُؤَمَّلٌ قَالَ : ثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ أَبِي هَاشِمٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، فِي قَوْلِهِ : وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ قَالَ : لَا يُبْتَلُونَ . فَإِنَّ الْأُوْلَى مَنْصُوبَةٌ بِ حَسِبَ ، وَالثَّانِيَةَ مَنْصُوبَةٌ فِي قَوْلِ بَعْضِ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ بِتَعَلُّقِ يُتْرَكُوا بِهَا وَأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ : أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا لِأَنْ يَقُولُوا آمَنَّا ، فَلَمَّا حُذِفَتِ اللَّامُ الْخَافِضَةُ مِنْ لِأَنْ نُصِبَتْ عَلَى مَا ذَكَرْتُ . وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ غَيْرِهِ فَهِيَ فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ بِإِضْمَارِ الْخَافِضِ ، وَلَا تَكَادُ الْعَرَبُ تَقُولُ تَرَكْتُ فُلَانًا أَنْ يَذْهَبَ ، فَتُدْخِلُ أَنْ فِي الْكَلَامِ ، وَإِنَّمَا تَقُولُ تَرَكْتُهُ يَذْهَبُ ، وَإِنَّمَا أُدْخِلَتْ أَنْ هَاهُنَا لِاكْتِفَاءِ الْكَلَامِ بِقَوْلِهِ : أَنْ يُتْرَكُوا إِذْ كَانَ مَعْنَاهُ : أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ مِنْ أَجْلِ أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا ، فَكَانَ قَوْلُهُ : أَنْ يُتْرَكُوا مُكْتَفِيَةً بِوُقُوعِهَا عَلَى النَّاسِ دُونَ أَخْبَارِهِمْ .
وَإِنْ جُعِلَتْ أَنْ فِي قَوْلِهِ : ( أَنْ يَقُولُوا ) مَنْصُوبَةً بِنِيَّةِ تَكْرِيرِ أَحَسِبَ كَانَ جَائِزًا ، فَيَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ : أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَحَسِبُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ .