الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ "
) ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ ﴾( 22 ) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ خَلْقَهُ مِنْ بَعْدِ فَنَائِهِمْ ، فَ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ مِنْهُمْ عَلَى مَا أَسْلَفَ مِنْ جُرْمِهِ فِي أَيَّامِ حَيَاتِهِ ، وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ مِنْهُمْ مِمَّنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ يَقُولُ : وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ وَتُرَدُّونَ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ فَإِنَّ ابْنَ زَيْدٍ قَالَ فِي ذَلِكَ مَا حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ قَالَ : لَا يُعْجِزُهُ أَهْلُ الْأَرَضِينَ فِي الْأَرَضِينَ ، وَلَا أَهْلُ السَّمَوَاتِ فِي السَّمَوَاتِ إِنْ عَصَوْهُ ، وَقَرَأَ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ . وَقَالَ فِي ذَلِكَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ : وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَلا مَنْ ( فِي السَّمَاءِ ) مُعْجِزِينَ قَالَ : وَهُوَ مِنْ غَامِضِ الْعَرَبِيَّةِ لِلضَّمِيرِ الَّذِي لَمْ يَظْهَرْ فِي الثَّانِي .
قَالَ : وَمِثْلُهُ قَوْلُ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ : أَمَنْ يَهْجُو رَسُولَ اللَّهِ مِنْكُمْ وَيَمْدَحُهُ وَيَنْصُرُهُ سَوَاءُ ؟ أَرَادَ : وَمَنْ يَنْصُرُهُ وَيَمْدَحُهُ ، فَأَضْمَرَ مَنْ . قَالَ : وَقَدْ يَقَعُ فِي وَهْمِ السَّامِعِ أَنَّ النَّصْرَ وَالْمَدْحَ لِمَنْ هَذِهِ الظَّاهِرَةِ ، وَمِثْلُهُ فِي الْكَلَامِ : أَكْرِمْ مَنْ أَتَاكَ وَأَتَى أَبَاكَ ، وَأَكْرِمْ مَنْ أَتَاكَ وَلَمْ يَأْتِ زَيْدًا . تُرِيدُ : وَمَنْ لَمْ يَأْتِ زَيْدًا ، فَيَكْتَفِي بِاخْتِلَافِ الْأَفْعَالِ مِنْ إِعَادَةِ ( مَنْ ) كَأَنَّهُ قَالَ : أَمَنْ يَهْجُو ، وَمَنْ يَمْدَحُهُ ، وَمَنْ يَنْصُرُهُ .
وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ وَهَذَا الْقَوْلُ أَصَحُّ عِنْدِي فِي الْمَعْنَى مِنَ الْقَوْلِ الْآخَرِ . وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ مَعْنَاهُ : وَلَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ ، وَلَا أَنْتُمْ لَوْ كُنْتُمْ فِي السَّمَاءِ بِمُعْجِزِينَ - كَانَ مَذْهَبًا . وَقَوْلُهُ : وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ يَقُولُ : وَمَا كَانَ لَكُمْ - أَيُّهَا النَّاسُ - مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ يَلِي أُمُورَكُمْ ، وَلَا نُصَيْرٍ يَنْصُرُكُمْ مِنَ اللَّهُ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا وَلَا يَمْنَعُكُمْ مِنْهُ إِنْ أَحَلَّ بِكُمْ عُقُوبَتَهُ .