الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي . . . "
) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَالَّذِينَ كَفَرُوا حُجَجَ اللَّهِ ، وَأَنْكَرُوا أَدِلَّتَهُ ، وَجَحَدُوا لِقَاءَهُ وَالْوُرُودَ عَلَيْهِ ، يَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ : أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي فِي الْآخِرَةِ لَمَّا عَايَنُوا مَا أُعِدَّ لَهُمْ مِنَ الْعَذَابِ ، وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُوجِعٌ . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : وَكَيْفَ اعْتَرَضَ بِهَذِهِ الْآيَاتِ مِنْ قَوْلِهِ : وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ إِلَى قَوْلِهِ : إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ وَتَرَكَ ضَمِيرَ قَوْلِهِ : فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ وَهُوَ مِنْ قِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ . وَقَوْلُهُ : إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِلَى قَوْلِهِ : فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ .
قِيلَ : فَعَلَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْخَبَرَ عَنْ أَمْرِ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَقَوْمِهِمَا ، وَسَائِرِ مَنْ ذَكَرَ اللَّهُ مِنَ الرُّسُلِ وَالْأُمَمِ فِي هَذِهِ السُّورَةِ وَغَيْرِهَا ، إِنَّمَا هُوَ تَذْكِيرٌ مِنَ اللَّهِ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - بِهِ الَّذِينَ يَبْتَدِئُ بِذِكْرِهِمْ قَبْلَ الِاعْتِرَاضِ بِالْخَبَرِ ، وَتَحْذِيرٌ مِنْهُ لَهُمْ أَنْ يَحِلَّ بِهِمْ مَا حَلَّ بِهِمْ ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ : فَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ، فَكَذَّبْتُمْ أَنْتُمْ مَعْشَرَ قُرَيْشٍ رَسُولَكُمْ مُحَمَّدًا ، كَمَا كَذَّبَ أُولَئِكَ إِبْرَاهِيمُ ، ثُمَّ جَعَلَ مَكَانَ : فَكَذَّبْتُمْ : وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ، إِذْ كَانَ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى الْخَبَرِ عَنْ تَكْذِيبِهِمْ رَسُولَهُمْ ، ثُمَّ عَادَ إِلَى الْخَبَرِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمِهِ ، وَتَتْمِيمِ قِصَّتِهِ وَقِصَّتِهِمْ بِقَوْلِهِ : فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ .