الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا . . . "
) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - مُخْبِرًا عَنْ قِيلِ إِبْرَاهِيمَ لِقَوْمِهِ : ( وَقَالَ ) إِبْرَاهِيمُ لِقَوْمِهِ : يَا قَوْمِ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا . وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ : مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالشَّأْمُ وَبَعْضُ الْكُوفِيِّينَ : ( مَوَدَّةً ) بِنَصْبِ مَوَدَّةً بِغَيْرِ إِضَافَةٍ ( بَيْنَكُمْ ) بِنَصْبِهَا . وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ الْكُوفِيِّينَ : مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ بِنَصْبِ الْمَوَدَّةِ وَإِضَافَتِهَا إِلَى قَوْلِهِ : ( بَيْنِكُمْ ) ، وَخَفْضِ ( بَيْنِكُمْ ) .
وَكَأَنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَرَءُوا قَوْلَهُ : ( مَوَدَّةَ ) نَصْبًا ، وَجَّهُوا مَعْنَى الْكَلَامِ إِلَى : إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ أَيُّهَا الْقَوْمُ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ ، فَجَعَلُوا إِنَّمَا حَرْفَا وَاحِدًا ، وَأَوْقَعُوا قَوْلَهُ : ( اتَّخَذْتُمْ ) عَلَى الْأَوْثَانِ ، فَنَصَبُوهَا بِمَعْنَى : اتَّخَذْتُمُوهَا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ، تَتَحَابُّونَ عَلَى عِبَادَتِهَا ، وَتَتَوَادُّونَ عَلَى خِدْمَتِهَا ، فَتَتَوَاصَلُونَ عَلَيْهَا ، وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ قُرَّاءِ أَهْلِ مَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ : مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ بِرَفْعِ الْمَوَدَّةِ وَإِضَافَتِهَا إِلَى الْبَيْنِ ، وَخَفْضِ الْبَيْنِ ، وَكَأَنَّ الَّذِينَ قَرَءُوا ذَلِكَ كَذَلِكَ ، جَعَلُوا إِنَّ مَا حَرْفَيْنِ ، بِتَأْوِيلِ : إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذْتُمْ مَنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا إِنَّمَا هُوَ مَوَدَّتُكُمْ لِلدُّنْيَا ، فَرَفَعُوا مَوَدَّةُ عَلَى خَبَرِ إِنَّ . وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونُوا عَلَى قِرَاءَتِهِمْ ذَلِكَ رَفْعًا بِقَوْلِهِ : إِنَّمَا أَنْ تَكُونَ حَرْفًا وَاحِدًا ، وَيَكُونُ الْخَبَرُ مُتَنَاهِيًا عِنْدَ قَوْلِهِ : إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا ثُمَّ يَبْتَدِئُ الْخَبَرُ فَيُقَالُ : مَا مَوَدَّتُكُمْ تِلْكَ الْأَوْثَانَ بِنَافِعَتِكُمْ ، إِنَّمَا مَوَدَّةُ بَيْنِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا ، ثُمَّ هِيَ مُنْقَطِعَةٌ ، وَإِذَا أُرِيدَ هَذَا الْمَعْنَى كَانَتِ الْمَوَدَّةُ مَرْفُوعَةٌ بِالصِّفَةِ بِقَوْلِهِ : فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونُوا أَرَادُوا بِرَفْعِ الْمَوَدَّةِ ، رَفْعَهَا عَلَى ضَمِيرِ هِيَ . وَهَذِهِ الْقِرَاءَاتُ الثَّلَاثُ مُتَقَارِبَاتُ الْمَعَانِي ، لِأَنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْأَوْثَانَ آلِهَةً يَعْبُدُونَهَا ، اتَّخَذُوهَا مَوَدَّةَ بَيْنِهِمْ ، وَكَانَتْ لَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَوَدَّةً ، ثُمَّ هِيَ عَنْهُمْ مُنْقَطِعَةٌ ، فَبِأَيِّ ذَلِكَ قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ ؛ لِتَقَارُبِ مَعَانِي ذَلِكَ ، وَشُهْرَةِ الْقِرَاءَةِ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ فِي قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا قَالَ : صَارَتْ كُلُّ خِلَّةٍ فِي الدُّنْيَا عَدَاوَةً عَلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا خِلَّةَ الْمُتَّقِينَ . وَقَوْلُهُ : ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَيُّهَا الْمُتَوَادُّونَ عَلَى عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ وَالْأَصْنَامِ ، وَالْمُتَوَاصِلُونَ عَلَى خِدْمَاتِهَا عِنْدَ وُرُودِكُمْ عَلَى رَبِّكُمْ ، وَمُعَايَنَتِكُمْ مَا أَعَدَّ اللَّهُ لَكُمْ عَلَى التَّوَاصُلِ وَالتَّوَادِّ فِي الدُّنْيَا مِنْ أَلِيمِ الْعَذَابِ ، يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ يَقُولُ : يَتَبَرَّأُ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ ، وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا .
وَقَوْلُهُ : وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَمَصِيرُ جَمِيعِكُمْ أَيُّهَا الْعَابِدُونَ الْأَوْثَانَ وَمَا تَعْبُدُونَ - النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ يَقُولُ : وَمَا لَكُمْ أَيُّهَا الْقَوْمُ الْمُتَّخِذُو الْآلِهَةِ ، مِنْ دُونِ اللَّهِ مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ مِنْ أَنْصَارٍ يَنْصُرُونَكُمْ مِنَ اللَّهِ حِينَ يُصْلِيكُمْ نَارَ جَهَنَّمَ ، فَيُنْقِذُونَكُمْ مِنْ عَذَابِهِ .