الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ . . . "
) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - مُخْبِرًا عَنْ قِيلِ لُوطٍ لِقَوْمِهِ ( أَئِنَّكُمْ ) أَيُّهَا الْقَوْمُ ، لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ فِي أَدْبَارِهِمْ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ يَقُولُ : وَتَقْطَعُونَ الْمُسَافِرِينَ عَلَيْكُمْ بِفِعْلِكُمُ الْخَبِيثِ ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ فِيمَا ذُكِرَ عَنْهُمْ كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ بِمَنْ مَرَّ عَلَيْهِمْ مِنَ الْمُسَافِرِينَ ، مَنْ وَرَدَ بِلَادَهُمْ مِنَ الْغُرَبَاءِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ : وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ قَالَ : السَّبِيلُ : الطَّرِيقُ . الْمُسَافِرُ إِذَا مَرَّ بِهِمْ ، وَهُوَ ابْنُ السَّبِيلِ قَطَعُوا بِهِ ، وَعَمِلُوا بِهِ ذَلِكَ الْعَمَلَ الْخَبِيثَ .
وَقَوْلُهُ : وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْمُنْكَرِ الَّذِي عَنَاهُ اللَّهُ ، الَّذِي كَانَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ يَأْتُونَهُ فِي نَادِيهِمْ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : كَانَ ذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَضَارَطُونَ فِي مَجَالِسِهِمْ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْأَسْوَدِ قَالَ : ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَبِيعَةَ قَالَ : ثَنَا رَوْحُ بْنُ عُطَيْفَةَ الثَّقَفِيُّ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُصْعَبٍ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، فِي قَوْلِهِ : وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ قَالَ : الضُّرَاطُ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ كَانَ ذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَحْذِفُونَ مَنْ مَرَّ بِهِمْ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ وَابْنُ وَكِيعٍ قَالَا : ثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، عَنْ حَاتِمِ بْنِ أَبِي صَغِيرَةَ ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ ، عَنِ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أُمِّ هَانِئٍ ، قَالَتْ : سَأَلْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ قَوْلِهِ : وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ قَالَ : كَانُوا يَحْذِفُونَ أَهْلَ الطَّرِيقِ وَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ فَهُوَ الْمُنْكَرُ الَّذِي كَانُوا يَأْتُونَ . حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ قَالَ : ثَنَا أَسَدٌ قَالَ : ثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، بِإِسْنَادِهِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، مِثْلَهُ . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ قَالَ : ثَنَا سَلِيمُ بْنُ أَخْضَرَ قَالَ : ثَنَا أَبُو يُونُسَ الْقُشَيْرِيُّ ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ ، عَنِ أَبِي صَالِحٍ مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ ، أَنَّ أُمَّ هَانِئٍ سُئِلَتْ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَقَالَتْ : سَأَلْتُ عَنْهَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : كَانُوا يَحْذِفُونَ أَهْلَ الطَّرِيقِ ، وَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ .
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : ثَنَا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ قَالَ : ثَنَا عُمَرُ بْنُ أَبِي زَائِدَةَ قَالَ : سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ : وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ قَالَ : كَانُوا يُؤْذُونَ أَهْلَ الطَّرِيقِ يَحْذِفُونَ مَنْ مَرَّ بِهِمْ . حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي زَائِدَةَ قَالَ : سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ قَالَ : الْحَذْفُ . حَدَّثَنَا مُوسَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَمْرٌو قَالَ : ثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ قَالَ : كَانَ كُلُّ مِنْ مَرَّ بِهِمْ حَذَفُوهُ ، فَهُوَ الْمُنْكَرُ .
حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ قَالَ : ثَنَا أَسَدٌ قَالَ : ثَنَا سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ قَالَ : ثَنَا حَاتِمُ بْنُ أَبِي صَغِيرَةَ قَالَ : ثَنَا سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ ، عَنْ بَاذَامَ ، عَنِ أَبِي صَالِحٍ مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ ، عَنْ أُمِّ هَانِئٍ ، قَالَتْ : سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ قَالَ : كَانُوا يَجْلِسُونَ بِالطَّرِيقِ ، فَيَحْذِفُونَ أَبْنَاءَ السَّبِيلِ ، وَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : بَلْ كَانَ ذَلِكَ إِتْيَانَهُمُ الْفَاحِشَةَ فِي مَجَالِسِهِمْ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : ثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : كَانَ يَأْتِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي مَجَالِسِهِمْ ، يَعْنِي قَوْلَهُ : وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ .
حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَ : ثَنَا ثَابِتُ بْنُ مُحَمَّدٍ اللَّيْثِيُّ قَالَ : ثَنَا فُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، فِي قَوْلِهِ : وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ قَالَ : كَانَ يُجَامِعُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي الْمَجَالِسِ . حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : ثَنَا حَكَّامٌ ، عَنْ عَمْرٍو ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ قَالَ : كَانَ يَأْتِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي الْمَجَالِسِ . حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : كَانُوا يُجَامِعُونَ الرِّجَالَ فِي مَجَالِسِهِمْ .
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ قَالَ : الْمَجَالِسُ وَ ( الْمُنْكَرُ ) : إِتْيَانُهُمُ الرِّجَالَ . حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ قَالَ : كَانُوا يَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ فِي نَادِيهِمْ . حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ : وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ قَالَ : نَادِيهِمْ : الْمَجَالِسُ ، وَ ( الْمُنْكَرُ ) : عَمَلُهُمُ الْخَبِيثُ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَهُ ، كَانُوا يَعْتَرِضُونَ بِالرَّاكِبِ ، فَيَأْخُذُونَهُ وَيَرْكَبُونَهُ .
وَقَرَأَ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ ، وَقَرَأَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ . حَدَّثَنِي عَلِيٌّ قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ يَقُولُ : فِي مَجَالِسِكُمْ . وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ : مَعْنَاهُ : وَتَحْذِفُونَ فِي مَجَالِسِكُمُ الْمَارَّةَ بِكُمْ ، وَتَسْخَرُونَ مِنْهُمْ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الرِّوَايَةِ بِذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .
وَقَوْلُهُ : فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : فَلَمْ يَكُنْ جَوَابُ قَوْمِ لُوطٍ إِذْ نَهَاهُمْ عَمَّا يَكْرَهُهُ اللَّهُ مِنْ إِتْيَانِ الْفَوَاحِشِ الَّتِي حَرَّمَهَا اللَّهُ إِلَّا قِيلَهُمُ : ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ الَّذِي تَعِدُنَا ، إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ فِيمَا تَقُولُ ، وَالْمُنْجِزِينَ لِمَا تَعِدُ .