الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ . . . "
) ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴾( 32 ) يَعْنِي - تَعَالَى ذِكْرُهُ - بِقَوْلِهِ : مُنِيبِينَ إِلَيْهِ تَائِبِينَ رَاجِعِينَ إِلَى اللَّهِ مُقْبِلِينَ . كَمَا حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : مُنِيبِينَ إِلَيْهِ قَالَ : الْمُنِيبُ إِلَى اللَّهِ : الْمُطِيعُ لِلَّهِ ، الَّذِي أَنَابَ إِلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَأَمْرِهِ ، وَرَجَعَ عَنِ الْأُمُورِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا قَبْلَ ذَلِكَ ، كَانَ الْقَوْمُ كُفَّارًا ، فَنَزَعُوا وَرَجَعُوا إِلَى الْإِسْلَامِ . وَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ : فَأَقِمْ وَجْهَكَ يَا مُحَمَّدُ لِلدِّينِ حَنِيفًا ، مُنِيبِينَ إِلَيْهِ - إِلَى اللَّهِ - فَالْمُنِيبُونَ حَالٌ مِنَ الْكَافِ الَّتِي فِي وَجْهِكَ .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : وَكَيْفَ يَكُونُ حَالًا مِنْهَا ، وَالْكَافُ كِنَايَةٌ عَنْ وَاحِدٍ ، وَالْمُنِيبُونَ صِفَةٌ لِجَمَاعَةٍ ؟ قِيلَ : لِأَنَّ الْأَمْرَ مِنَ الْكَافِ كِنَايَةَ اسْمِهِ مِنَ اللَّهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ أَمْرٌ مِنْهُ لَهُ وَلِأُمَّتِهِ ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ لَهُ : فَأَقِمْ وَجْهَكَ أَنْتَ وَأُمَّتُكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا لِلَّهِ ، مُنِيبِينَ إِلَيْهِ . وَقَوْلُهُ : ( وَاتَّقُوهُ ) يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَخَافُوا اللَّهَ وَرَاقِبُوهُ ، أَنْ تُفَرِّطُوا فِي طَاعَتِهِ ، وَتَرْكَبُوا مَعْصِيَتَهُ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ يَقُولُ : وَلَا تَكُونُوا مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ بِاللَّهِ بِتَضْيِيعِكُمْ فَرَائِضَهُ ، وَرُكُوبِكُمْ مَعَاصِيَهُ ، وَخِلَافِكُمُ الدِّينَ الَّذِي دَعَاكُمْ إِلَيْهِ . وَقَوْلُهُ : مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا يَقُولُ : وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ بَدَّلُوا دِينَهُمْ ، وَخَالَفُوهُ فَفَارَقُوهُ وَكَانُوا شِيَعًا يَقُولُ : وَكَانُوا أَحْزَابًا فِرَقًا كَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا : وَهُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى . حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا إِلَى آخِرِ الْآيَةِ ، قَالَ : هَؤُلَاءِ يَهُودُ ، فَلَوْ وُجِّهَ قَوْلُهُ : مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ إِلَى أَنَّهُ خَبَرٌ مُسْتَأْنِفٌ مُنْقَطِعٌ عَنْ قَوْلِهِ : وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ، وَأَنَّ مَعْنَاهُ : مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا أَحْزَابًا ، كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ كَانَ وَجْهًا يَحْتَمِلُهُ الْكَلَامُ .
وَقَوْلُهُ : كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ يَقُولُ : كُلُّ طَائِفَةٍ وَفِرْقَةٍ مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ فَارَقُوا دِينَهُمُ الْحَقَّ ، فَأَحْدَثُوا الْبِدَعَ الَّتِي أَحْدَثُوا بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ يَقُولُ : بِمَا هُمْ بِهِ مُتَمَسِّكُونَ مِنَ الْمَذْهَبِ ، فَرِحُونَ مَسْرُورُونَ ، يَحْسَبُونَ أَنَّ الصَّوَابَ مَعَهُمْ دُونَ غَيْرِهِمْ .