الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا . . . "
) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : فَسَدِّدْ وَجْهَكَ نَحْوَ الْوَجْهِ الَّذِي وَجَّهَكَ إِلَيْهِ رَبُّكَ يَا مُحَمَّدُ لِطَاعَتِهِ ، وَهِيَ الدِّينُ ، ( حَنِيفًا ) يَقُولُ : مُسْتَقِيمًا لِدِينِهِ وَطَاعَتِهِ فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا يَقُولُ : صَنْعَةُ اللَّهِ الَّتِي خَلَقَ النَّاسَ عَلَيْهَا وَنُصِبَتْ فِطْرَةَ عَلَى الْمَصْدَرِ مِنْ مَعْنَى قَوْلِهِ : فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ : فَطَرَ اللَّهُ النَّاسَ عَلَى ذَلِكَ فِطْرَةً . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا قَالَ : الْإِسْلَامُ مُذْ خَلَقَهُمُ اللَّهُ مِنْ آدَمَ جَمِيعًا ، يُقِرُّونَ بِذَلِكَ ، وَقَرَأَ : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا قَالَ : فَهَذَا قَوْلُ اللَّهِ : كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ بَعْدُ .
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِطْرَةَ اللَّهِ قَالَ : الْإِسْلَامُ . حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : ثَنَا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ قَالَ : ثَنَا يُونُسُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ : مَرَّ عُمَرُ بِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ، فَقَالَ : مَا قِوَامُ هَذِهِ الْأُمَّةِ ؟ قَالَ مُعَاذُ : ثَلَاثٌ ، وَهُنَّ الْمُنْجِيَاتُ : الْإِخْلَاصُ ، وَهُوَ الْفِطْرَةُ فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ، وَالصَّلَاةُ : وَهِيَ الْمِلَّةُ ، وَالطَّاعَةُ : وَهِيَ الْعِصْمَةُ . فَقَالَ عُمَرُ : صَدَقْتَ .
حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ قَالَ : ثَنِي ابْنُ عُلَيَّةَ قَالَ : ثَنَا أَيُّوبُ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ أَنَّ عُمَرَ قَالَ لِمُعَاذٍ : مَا قِوَامُ هَذِهِ الْأُمَّةِ ؟ ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَهُ . وَقَوْلُهُ : لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ يَقُولُ : لَا تَغْيِيرَ لِدِينِ اللَّهِ ؛ أَيْ لَا يَصْلُحُ ذَلِكَ ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُفْعَلَ . وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ نَحْوَ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ قَالَ : لِدِينِهِ . حَدَّثَنِي أَبُو السَّائِبِ قَالَ : ثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ ، عَنْ لَيْثٍ قَالَ : أَرْسَلَ مُجَاهِدٌ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ : قَاسِمٌ ، إِلَى عِكْرِمَةَ يَسْأَلُهُ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ : لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ إِنَّمَا هُوَ الدِّينُ ، وَقَرَأَ : لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ . حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : ثَنَا زَيْدُ بْنُ حُبَابٍ ، عَنْ حُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ ، عَنْ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا قَالَ : الْإِسْلَامُ .
قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ نَضْرِ بْنِ عَرَبِيٍّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ قَالَ : لِدِينِ اللَّهِ . قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : لِدِينِ اللَّهِ . قَالَ : ثَنَا أَبِي ، عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ الْوَرْدِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي بَزَّةَ قَالَ : قَالَ مُجَاهِدٌ ، فَسَلْ عَنْهَا عِكْرِمَةَ ، فَسَأَلْتُهُ ، فَقَالَ عِكْرِمَةُ : دِينُ اللَّهِ تَعَالَى مَا لَهُ أَخْزَاهُ اللَّهُ ؟! أَلَمْ يَسْمَعْ إِلَى قَوْلِهِ : فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ .
حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ : أَيْ لِدِينِ اللَّهِ . حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : ثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ ، عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ : لِدِينِ اللَّهِ . قَالَ : ثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ حُمَيْدٍ الْأَعْرَجِ قَالَ : قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ قَالَ : لِدِينِ اللَّهِ .
قَالَ : ثَنَا الْمُحَارِبِيُّ ، عَنْ جُوَيْبِرٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ قَالَ : لِدِينِ اللَّهِ . حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ قَالَ : دِينُ اللَّهِ . حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : ثَنَا أَبِي ، عَنْ مِسْعَرٍ وَسُفْيَانَ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ قَالَ : لِدِينِ اللَّهِ .
قَالَ : ثَنَا أَبِي ، عَنْ جَعْفَرٍ الرَّازِيِّ ، عَنْ مُغِيرَةَ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : لِدِينِ اللَّهِ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : لَا تَغْيِيرَ لِخَلْقِ اللَّهِ مِنَ الْبَهَائِمِ ، بِأَنْ يُخْصَى الْفُحُولُ مِنْهَا . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : ثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ ، عَنْ مُطَرِّفٍ ، عَنْ رَجُلٍ ، سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ خِصَاءِ الْبَهَائِمِ ، فَكَرِهَهُ ، وَقَالَ : لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ .
قَالَ : ثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ حُمَيْدٍ الْأَعْرَجِ قَالَ : قَالَ عِكْرِمَةُ : الْإِخْصَاءُ . قَالَ : ثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ ، عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : الْإِخْصَاءُ . وَقَوْلُهُ : ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : إِنَّ إِقَامَتَكَ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ، غَيْرَ مُغَيِّرٍ وَلَا مُبَدِّلٍ - هُوَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ، يَعْنِي : الْمُسْتَقِيمُ الَّذِي لَا عِوَجَ فِيهِ عَنْ الِاسْتِقَامَةِ مِنَ الْحَنِيفِيَّةِ إِلَى الْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الضَّلَالَاتِ وَالْبِدَعِ الْمُحْدَثَةِ .
وَقَدْ وَجَّهَ بَعْضُهُمْ مَعْنَى الدِّينِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ إِلَى الْحِسَابِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عِمَارَةَ قَالَ : ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو لَيْلَى ، عَنْ بُرَيْدَةَ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ قَالَ : الْحِسَابُ الْقَيِّمُ . وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّ الدِّينَ الَّذِي أَمَرْتُكَ يَا مُحَمَّدُ بِهِ بِقَوْلِي فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا هُوَ الدِّينُ الْحَقُّ دُونَ سَائِرِ الْأَدْيَانِ غَيْرِهِ .