حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تفسير الطبري

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً . . . "

) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : ( أَلَمْ تَرَوْا ) أَيُّهَا النَّاسُ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ مِنْ شَمْسٍ وَقَمَرٍ وَنَجْمٍ وَسَحَابٍ وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَشَجَرٍ وَمَاءٍ وَبَحْرٍ وَفُلْكٍ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَنَافِعِ ، يَجْرِي ذَلِكَ كُلُّهُ لِمَنَافِعِكُمْ وَمَصَالِحِكُمْ ، لِغِذَائِكُمْ وَأَقْوَاتِكُمْ وَأَرْزَاقِكُمْ وَمَلَاذِّكُمْ ، تَتَمَتَّعُونَ بِبَعْضِ ذَلِكَ كُلِّهِ ، وَتَنْتَفِعُونَ بِجَمِيعِهِ ، وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً . وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ ، فَقَرَأَهُ بَعْضُ الْمَكِّيِّينَ وَعَامَّةُ الْكُوفِيِّينَ : ( وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعْمَةً ) عَلَى الْوَاحِدَةِ ، وَوَجَّهُوا مَعْنَاهَا إِلَى أَنَّهُ الْإِسْلَامُ ، أَوْ إِلَى أَنَّهَا شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ . وَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ : ( نِعَمَهُ ) عَلَى الْجِمَاعِ ، وَوَجَّهُوا مَعْنَى ذَلِكَ ، إِلَى أَنَّهَا النِّعَمُ الَّتِي سَخَّرَهَا اللَّهُ لِلْعِبَادِ مِمَّا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ، وَاسْتَشْهَدُوا لِصِحَّةِ قِرَاءَتِهِمْ ذَلِكَ كَذَلِكَ بِقَوْلِهِ : شَاكِرًا لأَنْعُمِهِ قَالُوا : فَهَذَا جَمْعُ النِّعَمِ .

وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَشْهُورَتَانِ فِي قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ ، مُتَقَارِبَتَا الْمَعْنَى ، وَذَلِكَ أَنَّ النِّعْمَةَ قَدْ تَكُونُ بِمَعْنَى الْوَاحِدَةِ ، وَمَعْنَى الْجِمَاعِ ، وَقَدْ يَدْخُلُ فِي الْجِمَاعِ الْوَاحِدَةُ . وَقَدْ قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا فَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يَعْنِ بِذَلِكَ نِعْمَةً وَاحِدَةً . وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ : وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ شَاكِرًا لأَنْعُمِهِ ، فَجَمَعَهَا ، فَبِأَيِّ الْقِرَاءَتَيْنِ قَرَأَ الْقَارِئُ ذَلِكَ فَمُصِيبٌ .

ذِكْرُ بَعْضِ مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ عَلَى التَّوْحِيدِ ، وَفَسَّرَهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا عَنْ قَارِئِيهِ أَنَّهُمْ يُفَسِّرُونَهُ . حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ : ثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ قَالَ : ثَنَا حَجَّاجٌ قَالَ : ثَنِي مَسْتُورٌ الْهُنَائِيُّ ، عَنْ حُمَيْدٍ الْأَعْرَجِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَرَأَهَا : وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعْمَتَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَفَسَّرَهَا : الْإِسْلَامُ . حُدِّثْتُ عَنِ الْفَرَّاءِ قَالَ : ثَنِي شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ خَصِيفٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّهُ قَرَأَ : ( نِعْمَةً ) وَاحِدَةً .

قَالَ : وَلَوْ كَانَتْ ( نِعْمَهُ ) ، لَكَانَتْ نِعْمَةٌ دُونَ نِعْمَةٍ ، أَوْ نِعْمَةٌ فَوْقَ نِعْمَةٍ الشَّكُّ مِنَ الْفَرَّاءِ . حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الزُّهْرِيُّ قَالَ : ثَنَا سُفْيَانُ قَالَ : ثَنَا حُمَيْدٌ قَالَ : قَرَأَ مُجَاهِدٌ : ( وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعْمَتَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ) قَالَ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ . حَدَّثَنِي الْعَبَّاسُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ قَالَ : ثَنَا ابْنُ أَبِي بُكَيْرٍ ، عَنْ شِبْلٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ( وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعْمَتَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ) قَالَ : كَانَ يَقُولُ : هِيَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ .

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : ثَنَا أَبِي ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ حُمَيْدٍ الْأَعْرَجِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ( وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعْمَتَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ) قَالَ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ . حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : ثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ حُمَيْدٍ الْأَعْرَجِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ . حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : ثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ عِيسَى ، عَنْ قَيْسٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نِعَمَةً ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً قَالَ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ .

وَقَوْلُهُ : ( ظَاهِرَةً ) يَقُولُ : ظَاهِرَةٌ عَلَى الْأَلْسُنِ قَوْلًا وَعَلَى الْأَبْدَانِ وَجَوَارِحِ الْجَسَدِ عَمَلًا . وَقَوْلُهُ : ( وَبَاطِنَةً ) يَقُولُ : وَبَاطِنَةً فِي الْقُلُوبِ ، اعْتِقَادًا وَمَعْرِفَةً . وَقَوْلُهُ : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُخَاصِمُ فِي تَوْحِيدِ اللَّهِ ، وَإِخْلَاصِ الطَّاعَةِ وَالْعِبَادَةِ لَهُ ( بِغَيْرِ عِلْمٍ ) عِنْدَهُ بِمَا يُخَاصِمُ ، ( وَلَا هُدًى ) : يَقُولُ : وَلَا بَيَانٍ يُبَيِّنُ بِهِ صِحَّةَ مَا يَقُولُ وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ يَقُولُ : وَلَا بِتَنْزِيلٍ مِنَ اللَّهِ جَاءَ بِمَا يَدَّعِي ، يُبَيِّنُ حَقِّيَّةَ دَعْوَاهُ .

كَمَا حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ لَيْسَ مَعَهُ مِنَ اللَّهِ بُرْهَانٌ وَلَا كِتَابٌ .

القراءات1 آية
سورة لقمان آية 201 قراءة

﴿ أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ

  • البدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة من طريقي الشاطبية والدرة

    وهو كله مَغْفِرَةٌ ، صِرَاطِ ، أَيْدِيهِمْ ، مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ ، تقدم مثله كثيرا . عَالِمِ الْغَيْبِ قرأ المدنيان ورويس والشامي بألف بعد العين وكسر اللام وتخفيفها ورفع الميم . وحمزة والكسائي بحذف الألف بعد العين وفتح اللام وتشديدها وألف بعدها وخفض الميم . والباقون كنافع إلا أنهم يخفضون الميم . لا يَعْزُبُ قرأ الكسائي بكسر الزاي والباقون بضمها واتفقوا على رفع أصغر وأكبر في هذه السورة . مُعَاجِزِينَ قرأ المكي والبصري بحذف الألف بعد العين مع تشديد الجيم والباقون بإثبات الألف وتخفيف الجيم . مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ قرأ ابن كثير وحفص ويعقوب برفع الميم والباقون بخفضها . هُوَ الْحَقَّ لا خلاف في نصب قاف الحق . جَدِيدٍ * أَفْتَرَى هي همزة استفهام فتكون همزة قطع وصلا ووقفا لجميع القراء ولا تنس أن ورشا ينقل حركتها إلى التنوين قبلها ويحذفها. إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ قرأ الأخوان وخلف بالياء التحتية في الأفعال الثلاثة والباقون بالنون فيها وأبدل همزة نشأ في الحالين أبو جعفر وحده وعند الوقف فقط حمزة وهشام، ولا إبدال فيه لورش ولا للسوسي ولا يخفى حكم بهم الأرض وصلا ووقفا . كِسَفًا فتح حفص السين وأسكنها غيره . مُنِيبٍ آخر الربع . الممال الْكَافِرِينَ بالإمالة للبصري والدوري ورويس وبالتقليل لورش ، والنار مثله ما عدا رويسا ، مُوسَى بالإمالة للأصحاب والتقليل للبصري وورش بخلف عنه ، ويرى لدى الوقف عليه وأفترى بالإمالة للبصري والأصحاب وبالتقليل لورش وعند وصل يرى بالذين يكون للسوسي فيه الفتح والإمالة بلى بالإمالة للأصحاب والتقليل لورش بخلف عنه . المدغم الصغير وَيَغْفِرْ لَكُمْ للبصري بخلف عن الدوري ، هَلْ نَدُلُّكُمْ ونخسف بهم للكسائي . الكبير السَّاعَةَ تَكُونُ ، يَعْلَمُ مَا والله تعالى أعلم .

موقع حَـدِيث