الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ . . . "
) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : مَا خَلْقُكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَلَا بَعْثُكُمْ عَلَى اللَّهِ إِلَّا كَخَلْقِ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَبَعْثِهَا ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ لَا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ شَيْءٌ أَرَادَهُ ، وَلَا يَمْتَنِعُ مِنْهُ شَيْءٌ شَاءَهُ ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ فَسَوَاءٌ خَلْقُ وَاحِدٍ وَبَعْثُهُ ، وَخَلْقُ الْجَمِيعِ وَبَعْثُهُمْ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : ثَنِي أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلَهُ : كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ يَقُولُ : كُنْ فَيَكُونُ لِلْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ .
حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ قَالَ : يَقُولُ : إِنَّمَا خَلْقُ اللَّهِ النَّاسَ كُلَّهُمْ وَبَعْثُهُمْ كَخَلْقِ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَبَعْثِهَا ، وَإِنَّمَا صَلُحَ أَنْ يُقَالَ : إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ ، وَالْمَعْنَى : إِلَّا كَخَلْقِ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ؛ لِأَنَّ الْمَحْذُوفَ فِعْلٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ : مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ وَالْعَرَبُ تَفْعَلُ ذَلِكَ فِي الْمَصَادِرِ ، وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ : تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ وَالْمَعْنَى : كَدَوَرَانِ عَيْنِ الَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ ، فَلَمْ يَذْكُرِ الدَّوَرَانَ وَالْعَيْنَ لِمَا وَصَفْتُ . وَقَوْلُهُ : إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ لِمَا يَقُولُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ وَيَفْتَرُونَهُ عَلَى رَبِّهِمْ ، مِنَ ادِّعَائِهِمْ لَهُ الشُّرَكَاءَ وَالْأَنْدَادَ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِهِمْ وَكَلَامِ غَيْرِهِمْ ، بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَهُ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْأَعْمَالِ ، وَهُوَ مُجَازِيهِمْ عَلَى ذَلِكَ جَزَاءَهُمْ .