الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " الم تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ "
) ﴿تَنْـزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾( 2 ) ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ﴾( 3 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : قَدْ مَضَى الْبَيَانُ عَنْ تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : ( الم ) بِمَا فِيهِ الْكِفَايَةُ . وَقَوْلُهُ : تَنْـزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : تَنْزِيلُ الْكِتَابِ الَّذِي نَزَلَ عَلَى مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، لَا شَكَّ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ : يَقُولُ : مِنْ رَبِّ الثَّقَلَيْنِ : الْجِنِّ وَالْإِنْسِ . كَمَا حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : الم تَنْـزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ لَا شَكَّ فِيهِ .
وَإِنَّمَا مَعْنَى الْكَلَامِ : أَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ لَا شَكَّ فِيهِ أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، وَلَيْسَ بِشِعْرٍ وَلَا سَجْعِ كَاهِنٍ ، وَلَا هُوَ مِمَّا تَخَرَّصَهُ مُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَإِنَّمَا كَذَّبَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِذَلِكَ قَوْلَ الَّذِينَ : قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا وَقَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا : إِنْ هَذَا إِلا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ . وَقَوْلُهُ : أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : يَقُولُ الْمُشْرِكُونَ بِاللَّهِ : اخْتَلَقَ هَذَا الْكِتَابَ مُحَمَّدٌ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ ، وَتَكَذَّبَهُ ، وَ ( أَمْ ) هَذِهِ تَقْرِيرٌ ، وَقَدْ بَيَّنَّا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِنَا ، أَنَّ الْعَرَبَ إِذَا اعْتَرَضَتْ بِالِاسْتِفْهَامِ فِي أَضْعَافِ كَلَامٍ قَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُهُ أَنَّهُ يُسْتَفْهَمُ بِأَمْ . وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ : وَيَقُولُونَ .
وَقَالَ : أَمْ بِمَعْنَى الْوَاوِ ، بِمَعْنَى بَلْ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْضِعِ ، ثُمَّ أَكْذَبَهُمْ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - فَقَالَ : مَا هُوَ كَمَا تَزْعُمُونَ وَتَقُولُونَ مِنْ أَنَّ مُحَمَّدًا افْتَرَاهُ ، بَلْ هُوَ الْحَقُّ وَالصِّدْقُ مِنْ عِنْدِ رَبِّكَ يَا مُحَمَّدُ ، أَنْزَلَهُ إِلَيْكَ ؛ لِتَنْذُرَ قَوْمًا بَأْسَ اللَّهِ وَسَطْوَتَهُ ، أَنْ يَحِلَّ بِهِمْ عَلَى كُفْرِهِمْ بِهِ مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ يَقُولُ : لَمْ يَأْتِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ الَّذِينَ أَرْسَلَكَ رَبُّكَ يَا مُحَمَّدُ إِلَيْهِمْ ، وَهُمْ قَوْمُهُ مِنْ قُرَيْشٍ ، نَذِيرٌ يُنْذِرُهُمْ بَأْسَ اللَّهِ عَلَى كُفْرِهِمْ قَبْلَكَ . وَقَوْلُهُ : ( لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ) يَقُولُ : لِيَتَبَيَّنُوا سَبِيلَ الْحَقِّ فَيَعْرِفُوهُ وَيُؤْمِنُوا بِهِ . وَبِمِثْلِ الَّذِي قُلْنَا فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ قَالَ : كَانُوا أُمَّةً أُمِّيَّةً ، لَمْ يَأْتِهِمْ نَذِيرٌ قَبْلَ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .