الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ . . . "
) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : أَوَلَمَ يَرَ هَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبُونَ بِالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ ، وَالنَّشْرِ بَعْدَ الْفَنَاءِ ، أَنَّا بِقُدْرَتِنَا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْيَابِسَةِ الْغَلِيظَةِ الَّتِي لَا نَبَاتَ فِيهَا ، وَأَصْلُهُ مِنْ قَوْلِهِمْ : نَاقَةٌ جُرُزٌ : إِذَا كَانَتْ تَأْكُلُ كُلَّ شَيْءٍ ، وَكَذَلِكَ الْأَرْضُ الْجَرُوزُ : الَّتِي لَا يَبْقَى عَلَى ظَهْرِهَا شَيْءٌ إِلَّا أَفْسَدَتْهُ ، نَظِيرُ أَكْلِ النَّاقَةِ الْجُرَازِ كُلَّ مَا وَجَدَتْهُ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ لَلْإِنْسَانِ الْأَكُولِ : جَرُوزٌ ، كَمَا قَالَ الرَّاجِزُ : خَبٌّ جَرُوزٌ وَإِذَا . وَمِنْهُ قِيلَ لِلسَّيْفِ إِذَا كَانَ لَا يُبْقِي شَيْئًا إِلَّا قَطَعَهُ : سَيْفٌ جُرَازٌ ، فِيهِ لُغَاتٌ أَرْبَعٌ : أَرْضٌ جُرُزٌ ، وَجَرْزٌ ، وَجِرْزٌ وَجُرْزٌ ، وَالْفَتْحُ لِبَنِي تَمِيمٍ فِيمَا بَلَغَنِي . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : ثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرٍو ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ الأَرْضِ الْجُرُزِ أَرْضٌ بِالْيَمَنِ . حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ : ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَ : ثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : أَرْضٌ بِالْيَمَنِ . قَالَ : ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَ : ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الأَرْضِ الْجُرُزِ قَالَ : أَبْيَنُ وَنَحْوُهَا .
حَدَّثَنِي زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبِي زَائِدَةَ قَالَ : ثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ عُمَرَ ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : وَنَحْوَهَا مِنَ الْأَرْضِ . حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ رَجُلٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : إِلَى الأَرْضِ الْجُرُزِ قَالَ : الْجُرُزُ : الَّتِي لَا تُمْطِرُ إِلَّا مَطَرًا لَا يُغْنِي عَنْهَا شَيْئًا ، إِلَّا مَا يَأْتِيهَا مِنَ السُّيُولِ . حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ ، عَنْ جُوَيْبِرٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ إِلَى الأَرْضِ الْجُرُزِ لَيْسَ فِيهَا نَبْتٌ .
حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الأَرْضِ الْجُرُزِ الْمُغْبَرَّةِ . حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الأَرْضِ الْجُرُزِ قَالَ : الْأَرْضُ الْجُرُزُ : الَّتِي لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ ، لَيْسَ فِيهَا نَبَاتٌ ، وَفِي قَوْلِهِ : ( صَعِيدًا جُرُزًا ) قَالَ : لَيْسَ عَلَيْهَا شَيْءٌ ، وَلَيْسَ فِيهَا نَبَاتٌ وَلَا شَيْءٌ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : فَنُخْرِجُ بِذَلِكَ الْمَاءَ الَّذِي نَسُوقُهُ إِلَيْهَا عَلَى يُبْسِهَا وَغِلَظِهَا وَطُولِ عَهْدِهَا بِالْمَاءِ زَرْعًا خَضِرًا ، تَأْكُلُ مِنْهُ مَوَاشِيهِمْ ، وَتَغَذَّى بِهِ أَبْدَانُهُمْ وَأَجْسَامُهُمْ فَيَعِيشُونَ بِهِ ( أَفَلَا يُبْصِرُونَ ) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : أَفَلَا يَرَوْنَ ذَلِكَ بِأَعْيُنِهِمْ ، فَيَعْلَمُوا بِرُؤْيَتِهِمُوهُ أَنَّ الْقُدْرَةَ الَّتِي بِهَا فَعَلْتُ ذَلِكَ لَا يَتَعَذَّرُ عَلَيَّ أَنْ أُحْيِيَ بِهَا الْأَمْوَاتَ ، وَأَنْشُرَهُمْ مِنْ قُبُورِهِمْ ، وَأُعِيدَهُمْ بِهَيْئَاتِهِمُ الَّتِي كَانُوا بِهَا قَبْلَ وَفَاتِهِمْ .