الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ . . . "
) يَقُولُ اللَّهُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : انْسُبُوا أَدْعِيَاءَكُمُ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ أَنْسَابَهُمْ بِكُمْ لِآبَائِهِمْ ، يَقُولُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَلْحِقْ نَسَبَ زَيْدٍ بِأَبِيهِ حَارِثَةَ ، وَلَا تَدْعُهُ زَيْدَ ابْنَ مُحَمَّدٍ . وَقَوْلُهُ : هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ يَقُولُ : دُعَاؤُكُمْ إِيَّاهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَعْدَلُ عِنْدَ اللَّهِ ، وَأَصْدَقُ وَأَصْوَبُ مِنْ دُعَائِكُمْ إِيَّاهُمْ لِغَيْرِ آبَائِهِمْ وَنِسْبَتُكُمُوهُمْ إِلَى مَنْ تَبَنَّاهُمْ وَادَّعَاهُمْ وَلَيْسُوا لَهُ بَنِينَ . كَمَا حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ : أَيْ أَعْدَلُ عِنْدَ اللَّهِ ، وَقَوْلُهُ : فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : فَإِنْ أَنْتُمْ أَيُّهَا النَّاسُ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَ أَدْعِيَائِكُمْ مَنْ هُمْ فَتَنْسِبُوهُمْ إِلَيْهِمْ ، وَلَمْ تَعْرِفُوهُمْ ، فَتُلْحِقُوهُمْ بِهِمْ ، فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ يَقُولُ : فَهُمْ إِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ ، إِنْ كَانُوا مِنْ أَهْلِ مِلَّتِكُمْ ، وَمَوَالِيكُمْ إِنْ كَانُوا مُحَرَّرِيكُمْ وَلَيْسُوا بِبَنِيكُمْ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ : أَيْ أَعْدَلُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا مَنْ أَبُوهُ فَإِنَّمَا هُوَ أَخُوكَ وَمَوْلَاكَ . حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ قَالَ : ثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ ، عَنْ عُيَيْنَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : قَالَ أَبُو بَكْرَةَ : قَالَ اللَّهُ : ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ فَأَنَا مِمَّنْ لَا يُعْرَفُ أَبُوهُ ، وَأَنَا مِنْ إِخْوَانِكُمْ فِي الدِّينِ ، قَالَ : قَالَ أَبِي : وَاللَّهِ إِنِّي لَأَظُنُّهُ لَوْ عَلِمَ أَنَّ أَبَاهُ كَانَ حَمَّارًا لَانْتَمَى إِلَيْهِ .
وَقَوْلُهُ : وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ يَقُولُ : وَلَا حَرَجَ عَلَيْكُمْ وَلَا وِزْرَ فِي خَطَأٍ يَكُونُ مِنْكُمْ فِي نِسْبَةِ بَعْضِ مَنْ تَنْسُبُونَهُ إِلَى أَبِيهِ ، وَأَنْتُمْ تَرَوْنَهُ ابْنَ مَنْ يَنْسُبُونَهُ إِلَيْهِ ، وَهُوَ ابْنٌ لِغَيْرِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ يَقُولُ : وَلَكِنَّ الْإِثْمَ وَالْحَرَجَ عَلَيْكُمْ فِي نِسْبَتِكُمُوهُ إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ ، وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَهُ ابْنَ غَيْرِ مَنْ تَنْسُبُونَهُ إِلَيْهِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ يَقُولُ : إِذَا دَعَوْتَ الرَّجُلَ لِغَيْرِ أَبِيهِ ، وَأَنْتَ تَرَى أَنَّهُ كَذَلِكَ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ يَقُولُ اللَّهُ : لَا تَدْعُهُ لِغَيْرِ أَبِيهِ مُتَعَمِّدًا .
أَمَّا الْخَطَأُ فَلَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِهِ ( وَلَكِنْ يُؤَاخِذُ كُمْ بِمَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ ) . حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ قَالَ : فَالْعَمْدُ مَا أَتَى بَعْدَ الْبَيَانِ وَالنَّهْيِ فِي هَذَا وَغَيْرِهِ ، وَ مَا الَّتِي فِي قَوْلِهِ : وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ خُفِضَ رَدًّا عَلَى مَا الَّتِي فِي قَوْلِهِ : فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ : لَيْسَ عَلَيْكُمْ جَنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ ، وَلَكِنْ فِيمَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ . وَقَوْلُهُ : وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا يَقُولُ اللَّهُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَكَانَ اللَّهُ ذَا سِتْرٍ عَلَى ذَنْبِ مَنْ ظَاهَرَ زَوْجَتَهُ فَقَالَ الْبَاطِلَ وَالزُّورَ مِنَ الْقَوْلِ ، وَذَمَّ مَنِ ادَّعَى وَلَدَ غَيْرِهِ ابْنًا لَهُ ، إِذَا تَابَا وَرَاجَعَا أَمْرَ اللَّهِ ، وَانْتَهَيَا عَنْ قِيلِ الْبَاطِلِ بَعْدَ أَنْ نَهَاهُمَا رَبُّهُمَا عَنْهُ ، ذَا رَحْمَةٍ بِهِمَا أَنْ يُعَاقِبَهُمَا عَلَى ذَلِكَ بَعْدَ تَوْبَتِهِمَا مِنْ خَطِيئَتِهِمَا .