الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ . . . "
) ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالا شَدِيدًا ﴾( 11 ) ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلا غُرُورًا ﴾( 12 ) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا ، إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودُ الْأَحْزَابِ مِنْ فَوْقِكُمْ ، وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ . وَقِيلَ : إِنَّ الَّذِينَ أَتَوْهُمْ مِنْ أَسْفَلَ مِنْهُمْ ، أَبُو سُفْيَانَ فِي قُرَيْشٍ وَمَنْ مَعَهُ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ قَالَ عُيَيْنَةُ بْنُ بَدْرٍ فِي أَهْلِ نَجْدٍ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ قَالَ : وَوَاجَهَتْهُمْ قُرَيْظَةُ . حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : ثَنَا عَبْدَةَ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، ذَكَرْتُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ وَقَرَأْتُ إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ قَالَتْ : هُوَ يَوْمُ الْخَنْدَقِ . حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : ثَنَا سَلَمَةُ قَالَ : ثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ مَوْلَى آلِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، وَعَمَّنْ لَا أَتَّهِمُ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ، وَعَنِ الزُّهْرِيِّ ، وَعَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ ، وَعَنْ غَيْرِهِمْ مِنْ عُلَمَائِنَا أَنَّهُ كَانَ مِنْ حَدِيثِ الْخَنْدَقِ أَنَّ نَفَرًا مِنَ الْيَهُودِ ، مِنْهُمْ سَلَّامُ بْنُ أَبِي الْحُقَيْقِ النَّضِرِيُّ ، وَحُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ النَّضِرِيُّ ، وَكِنَانَةُ بْنُ الرَّبِيعِ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ النَّضِرِيُّ ، وَهَوْذَةُ بْنُ قَيْسٍ الْوَائِلِيُّ ، وَأَبُو عَمَّارٍ الْوَائِلِيُّ ، فِي نَفَرٍ مِنْ بَنِي النَّضِيرِ ، وَنَفَرٍ مِنْ بَنِي وَائِلٍ ، وَهُمُ الَّذِينَ حَزَّبُوا الْأَحْزَابَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، خَرَجُوا حَتَّى قَدِمُوا مَكَّةَ عَلَى قُرَيْشٍ ، فَدَعَوْهُمْ إِلَى حَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَقَالُوا : إِنَّا سَنَكُونُ مَعَكُمْ عَلَيْهِ حَتَّى نَسْتَأْصِلَهُ ، فَقَالَتْ لَهُمْ قُرَيْشٌ : يَا مَعْشَرَ يَهُودَ ، إِنَّكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ الْأَوَّلِ ، وَالْعِلْمِ بِمَا أَصْبَحْنَا نَخْتَلِفُ فِيهِ نَحْنُ وَمُحَمَّدٌ ، أَفَدِينُنَا خَيْرٌ أَمْ دِينُهُ ؟ قَالُوا : بَلْ دِينُكُمْ خَيْرٌ مِنْ دِينِهِ ، وَأَنْتُمْ أَوْلَى بِالْحَقِّ مِنْهُ قَالَ : فَهُمُ الَّذِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلا ﴾ إِلَى قَوْلِهِ : وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا فَلَمَّا قَالُوا ذَلِكَ لِقُرَيْشٍ ، سَرَّهُمْ مَا قَالُوا ، وَنَشِطُوا لِمَا دَعَوْهُمْ لَهُ مِنْ حَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَاجْتَمَعُوا لِذَلِكَ وَاتَّعَدُوا لَهُ ، ثُمَّ خَرَجَ أُولَئِكَ النَّفَرُ مِنَ الْيَهُودِ ، حَتَّى جَاءُوا غَطَفَانَ مِنْ قَيْسِ عَيْلَانَ ، فَدَعَوْهُمْ إِلَى حَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَأَخْبَرُوهُمْ أَنَّهُمْ سَيَكُونُونَ مَعَهُمْ عَلَيْهِ ، وَأَنَّ قُرَيْشًا قَدْ تَابَعُوهُمْ عَلَى ذَلِكَ ، فَاجْتَمَعُوا فِيهِ ، فَأَجَابُوهُمْ فَخَرَجَتْ قُرَيْشٌ وَقَائِدُهَا أَبُو سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ ، وَخَرَجَتْ غَطَفَانُ وَقَائِدُهَا عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنِ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنِ بَدْرٍ فِي بَنِي فَزَارَةَ ، وَالْحَارِثُ بْنُ عَوْفِ بْنِ أَبِي حَارِثَةَ الْمُرِّيُّ فِي بَنِي مُرَّةَ ، وَمِسْعَرُ بْنُ رُخَيْلَةَ بْنِ نُوَيْرَةَ بْنِ طَرِيفِ بْنِ سُحْمَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هِلَالِ بْنِ خَلَاوَةَ بْنِ أَشْجَعَ بْنِ رَيْثِ بْنِ غَطَفَانَ ، فِيمَنْ تَابَعَهُ مَنْ قَوْمِهِ مِنْ أَشْجَعَ ؛ فَلَمَّا سَمِعَ بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبِمَا اجْتَمَعُوا لَهُ مِنَ الْأَمْرِ ضَرَبَ الْخَنْدَقَ عَلَى الْمَدِينَةِ ؛ فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الْخَنْدَقِ ، أَقْبَلَتْ قُرَيْشٌ حَتَّى نَزَلَتْ بِمُجْتَمَعِ الْأَسْيَالِ مِنْ رُومَةَ بَيْنَ الْجَرْفِ وَالْغَابَةِ فِي عَشْرَةِ آلَافٍ مِنْ أَحَابِيشِهِمْ ، وَمَنْ تَابَعَهُمْ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ وَأَهْلِ تِهَامَةَ ، وَأَقْبَلَتْ غَطَفَانُ وَمَنْ تَابَعَهُمْ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ ، حَتَّى نَزَلُوا بِذَنَبِ نِقْمَى إِلَى جَانِبٍ أُحُدٍ ، وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْمُسْلِمُونَ حَتَّى جَعَلُوا ظُهُورَهُمْ إِلَى سَلْعٍ فِي ثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، فَضَرَبَ هُنَالِكَ عَسْكَرَهُ ، وَالْخَنْدَقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقَوْمِ ، وَأَمَرَ بِالذَّرَارِيِّ وَالنِّسَاءِ ، فَرُفِعُوا فِي الْآطَامِ ، وَخَرَجَ عَدُوُّ اللَّهِ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ النَّضِرِيُّ ، حَتَّى أَتَى كَعْبَ بْنَ أَسَدٍ الْقُرَظِيَّ ، صَاحِبَ عَقْدِ بَنِي قُرَيْظَةَ وَعَهْدِهِمْ ، وَكَانَ قَدْ وَادَعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى قَوْمِهِ ، وَعَاهَدَهُ عَلَى ذَلِكَ وَعَاقَدَهُ ، فَلَمَّا سَمِعَ كَعْبٌ بِحُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ ، أَغْلَقَ دُونَهُ حِصْنَهُ ، فَاسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ ، فَأَبَى أَنْ يَفْتَحَ لَهُ ، فَنَادَاهُ حُيَيٌّ : يَا كَعْبُ افْتَحْ لِي ، قَالَ : وَيْحَكَ يَا حُيَيُّ ، إِنَّكَ امْرُؤٌ مَشْئُومٌ ، إِنِّي قَدْ عَاهَدْتُ مُحَمَّدًا ، فَلَسْتُ بِنَاقِضٍ مَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ ، وَلَمْ أَرَ مِنْهُ إِلَّا وَفَاءً وَصِدْقًا ؛ قَالَ : وَيْحَكَ افْتَحْ لِي أُكَلِّمْكَ ، قَالَ : مَا أَنَا بِفَاعِلٍ ، قَالَ : وَاللَّهِ إِنْ أَغْلَقْتَ دُونِي إِلَّا تَخَوَّفْتُ عَلَى جَشِيشَتِكَ أَنْ آكُلَ مَعَكَ مِنْهَا ، فَأَحْفَظَ الرَّجُلَ ، فَفَتَحَ لَهُ ، فَقَالَ : يَا كَعْبٌ جِئْتُكَ بِعِزِّ الدَّهْرِ ، وَبِبَحْرٍ طَمٍّ ، جِئْتُكَ بِقُرَيْشٍ عَلَى قَادَاتِهَا وَسَادَاتِهَا ، حَتَّى أَنْزَلْتُهُمْ بِمُجْتَمَعِ الْأَسْيَالِ مِنْ رُومَةَ ، وَبِغَطَفَانَ عَلَى قَادَاتِهَا وَسَادَاتِهَا حَتَّى أَنْزَلْتُهُمْ بِذَنَبِ نِقْمَى إِلَى جَانِبِ أُحُدٍ ، قَدْ عَاهَدُونِي وَعَاقَدُونِي أَلَّا يَبْرَحُوا حَتَّى يَسْتَأْصِلُوا مُحَمَّدًا وَمَنْ مَعَهُ ، فَقَالَ لَهُ كَعْبُ بْنُ أَسَدٍ : جِئْتَنِي وَاللَّهِ بِذُلِّ الدَّهْرِ ، وَبِجِهَامٍ قَدْ هَرَاقَ مَاءَهُ ، يُرْعِدُ وَيَبْرُقُ ، لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ ، فَدَعْنِي وَمُحَمَّدًا وَمَا أَنَا عَلَيْهِ ، فَلَمْ أَرَ مِنْ مُحَمَّدٍ إِلَّا صِدْقًا وَوَفَاءً ؛ فَلَمْ يَزَلْ حُيَيٌّ بِكَعْبٍ يَفْتِلُهُ فِي الذُّرْوَةِ وَالْغَارِبِ حَتَّى سَمَحَ لَهُ عَلَى أَنْ أَعْطَاهُمْ عَهْدًا مِنَ اللَّهِ وَمِيثَاقًا لَئِنْ رَجَعَتْ قُرَيْشٌ وَغَطَفَانُ وَلَمْ يُصِيبُوا مُحَمَّدًا أَنْ أَدْخُلَ مَعَكَ فِي حِصْنِكَ حَتَّى يُصِيبَنِي مَا أَصَابَكَ ، فَنَقَضَ كَعْبُ بْنُ أَسَدٍ عَهْدَهُ ، وَبَرِئَ مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ ، فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؛ فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْخَبَرُ ، وَإِلَى الْمُسْلِمِينَ ، بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَعْدَ بْنَ مُعَاذِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ ، أَحَدَ بَنِي الْأَشْهَلِ ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ سَيِّدُ الْأَوْسِ ، وَسَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ بْنِ دَيْلَمٍ أَخِي بَنِي سَاعِدَةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ الْخَزْرَجِ ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ سَيِّدُ الْخَزْرَجِ ، وَمَعَهُمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ أَخُو بِلْحَرْثِ بْنِ الْخَزْرَجِ ، وَخَوَّاتُ بْنُ جُبَيْرٍ أَخُو بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ ، فَقَالَ : انْطَلِقُوا حَتَّى تَنْظُرُوا أَحَقٌّ مَا بَلَغَنَا عَنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ أَمْ لَا ؟ فَإِنْ كَانَ حَقًّا فَالْحَنُوا لِي لَحْنًا أَعْرِفُهُ ، وَلَا تَفُتُّوا فِي أَعْضَادِ النَّاسِ ، وَإِنْ كَانُوا عَلَى الْوَفَاءِ فِيمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ ، فَاجْهُرُوا بِهِ لِلنَّاسِ فَخَرَجُوا حَتَّى أَتَوْهُمْ ، فَوَجَدُوهُمْ عَلَى أَخْبَثِ مَا بَلَغَهُمْ عَنْهُمْ ، وَنَالُوا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالُوا : لَا عَهْدَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مُحَمَّدٍ وَلَا عَقْدَ ، فَشَاتَمَهُمْ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَشَاتَمُوهُ ، وَكَانَ رَجُلًا فِيهِ حِدَّةٌ ، فَقَالَ لَهُ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ : دَعْ عَنْكَ مُشَاتَمَتَهُمْ ، فَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ أَرْبَى مِنَ الْمُشَاتَمَةِ ، ثُمَّ أَقْبَلَ سَعْدٌ وَسَعْدٌ وَمَنْ مَعَهُمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَسَلَّمُوا عَلَيْهِ ، ثُمَّ قَالُوا : عَضَلٍ وَالْقَارَّةِ : أَيْ كَغَدْرِ عَضَلٍ وَالْقَارَّةِ بِأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَصْحَابِ الرَّجِيعِ خُبَيْبِ بْنِ عَدِيٍّ وَأَصْحَابِهِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : اللَّهُ أَكْبَرُ ، أَبْشِرُوا يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ ، وَعَظُمَ عِنْدَ ذَلِكَ الْبَلَاءُ ، وَاشْتَدَّ الْخَوْفُ ، وَأَتَاهُمْ عَدُوُّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ، وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْهُمْ ، حَتَّى ظَنَّ الْمُسْلِمُونَ كُلَّ ظَنٍّ ، وَنَجَمَ النِّفَاقُ مِنْ بَعْضِ الْمُنَافِقِينَ ، حَتَّى قَالَ مُعَتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ أَخُو بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ : كَانَ مُحَمَّدٌ يَعِدُنَا أَنْ نَأْكُلَ كُنُوزَ كِسْرَى وَقَيْصَرَ ، وَأَحَدُنَا لَا يَقْدِرُ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى الْغَائِطِ ، وَحَتَّى قَالَ أَوْسُ بْنُ قَيْظِيٍّ أَحَدُ بَنِي حَارِثَةَ بْنِ الْحَارِثِ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ بُيُوتَنَا لَعَوْرَةٌ مِنَ الْعَدُوِّ ، وَذَلِكَ عَنْ مَلَإٍ مِنْ رِجَالِ قَوْمِهِ ، فَأْذَنْ لَنَا فَلْنَرْجِعْ إِلَى دَارِنَا ، وَإِنَّهَا خَارِجَةٌ مِنَ الْمَدِينَةِ ، فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِضْعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً قَرِيبًا مِنْ شَهْرٍ ، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْقَوْمِ حَرْبٌ إِلَّا الرَّمْيَ بِالنَّبْلِ وَالْحِصَارِ .
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : ثَنَا سَلَمَةُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ : ثَنِي يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ قَوْلَهُ : إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ فَالَّذِينَ جَاءُوهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ : قُرَيْظَةُ ، وَالَّذِينَ جَاءُوهُمْ مِنْ أَسْفَلَ مِنْهُمْ : قُرَيْشٌ وَغَطَفَانُ . وَقَوْلُهُ : وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ يَقُولُ : وَحِينَ عَدَلَتِ الْأَبْصَارُ عَنْ مَقَرِّهَا ، وَشَخَصَتْ طَامِحَةً . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ : شَخَصَتْ . وَقَوْلُهُ : وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ يَقُولُ : نَبَتِ الْقُلُوبُ عَنْ أَمَاكِنِهَا مِنَ الرُّعْبِ وَالْخَوْفِ ، فَبَلَغَتْ إِلَى الْحَنَاجِرِ . كَمَا حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : ثَنَا سُوَيْدُ بْنُ عَمْرٍو ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنِ أَيُّوبَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ : وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ قَالَ : مِنَ الْفَزَعِ .
وَقَوْلُهُ : وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا يَقُولُ : وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ الْكَاذِبَةَ ، وَذَلِكَ كَظَنِّ مَنْ ظَنَّ مِنْهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُغْلَبُ ، وَأَنَّ مَا وَعَدَهُ اللَّهُ مِنَ النَّصْرِ أَنْ لَا يَكُونَ ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ ظُنُونِهِمُ الْكَاذِبَةِ الَّتِي ظَنَّهَا مَنْ ظَنَّ مِمَّنْ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي عَسْكَرِهِ . حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا هَوْذَةُ بْنُ خَلِيفَةَ قَالَ : ثَنَا عَوْفٌ ، عَنِ الْحَسَنِ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا قَالَ : ظُنُونًا مُخْتَلِفَةً : ظَنَّ الْمُنَافِقُونَ أَنَّ مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ يُسْتَأْصَلُونَ ، وَأَيْقَنَ الْمُؤْمِنُونَ أَنَّ مَا وَعَدَهُمُ اللَّهُ حَقٌّ ، أَنَّهُ سَيُظْهِرُهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ . وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ : وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ ، وَبَعْضُ الْكُوفِيِّينَ : ( الظُّنُونَا ) بِإِثْبَاتِ الْأَلِفِ ، وَكَذَلِكَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا - فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا فِي الْوَصْلِ وَالْوَقْفِ وَكَانَ اعْتِلَالُ الْمُعْتَلِّ فِي ذَلِكَ لَهُمْ أَنَّ ذَلِكَ فِي كُلِّ مَصَاحِفِ الْمُسْلِمِينَ بِإِثْبَاتِ الْأَلِفِ فِي هَذِهِ الْأَحْرُفِ كُلِّهَا وَكَانَ بَعْضُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ يُثْبِتُ الْأَلِفَ فِيهِنَّ فِي الْوَقْفِ ، وَيَحْذِفُهَا فِي الْوَصْلِ اعْتِلَالًا بِأَنَّ الْعَرَبَ تَفْعَلُ ذَلِكَ فِي قَوَافِي الشِّعْرِ وَمَصَارِيعِهَا ، فَتُلْحِقُ الْأَلِفَ فِي مَوْضِعِ الْفَتْحِ لِلْوُقُوفِ ، وَلَا تَفْعَلُ ذَلِكَ فِي حَشْوِ الْأَبْيَاتِ ، فَإِنَّ هَذِهِ الْأَحْرُفَ ، حَسُنَ فِيهَا إِثْبَاتُ الْأَلِفَاتِ ، لِأَنَّهُنَّ رُءُوسُ الْآيِ تَمْثِيلًا لَهَا بِالْقَوَافِي .
وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ قُرَّاءِ الْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ بِحَذْفِ الْأَلِفِ مِنْ جَمِيعِهِ فِي الْوَقْفِ وَالْوَصْلِ ، اعْتِلَالًا بِأَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ إِلَّا فِي قَوَافِي الشِّعْرِ دُونَ غَيْرِهَا مِنْ كَلَامِهِمْ ، وَأَنَّهَا إِنَّمَا تَفْعَلُ ذَلِكَ فِي الْقَوَافِي طَلَبًا لِإِتْمَامِ وَزْنِ الشِّعْرِ ، إِذْ لَوْ لَمْ تَفْعَلْ ذَلِكَ فِيهَا لَمْ يَصِحَّ الشِّعْرُ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ ، لِأَنَّهُ لَا شَيْءَ يَضْطَرُّهُمْ إِلَى ذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ ، وَقَالُوا : هُنَّ مَعَ ذَلِكَ فِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ بِغَيْرِ أَلْفٍ . وَأَوْلَى الْقِرَاءَاتِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ ، قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَهُ بِحَذْفِ الْأَلِفِ فِي الْوَصْلِ وَالْوَقْفِ ، لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْكَلَامُ الْمَعْرُوفُ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ ، مَعَ شُهْرَةِ الْقِرَاءَةِ بِذَلِكَ فِي قُرَّاءِ الْمِصْرَيْنِ : الْكُوفَةِ ، وَالْبَصْرَةِ ، ثُمَّ الْقِرَاءَةُ بِإِثْبَاتِ الْأَلِفِ فِيهِنَّ فِي حَالَةِ الْوَقْفِ وَالْوَصْلِ ؛ لِأَنَّ عِلَّةَ مَنْ أَثْبَتَ ذَلِكَ فِي حَالِ الْوَقْفِ أَنَّهُ كَذَلِكَ فِي خُطُوطِ مَصَاحِفِ الْمُسْلِمِينَ . وَإِذَا كَانَتِ الْعِلَّةُ فِي إِثْبَاتِ الْأَلِفِ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ كَوْنَهُ مُثْبَتًا فِي مَصَاحِفِ الْمُسْلِمِينَ ، فَالْوَاجِبُ أَنْ تَكُونَ الْقِرَاءَةُ فِي كُلِّ الْأَحْوَالِ ثَابِتَةٌ ؛ لِأَنَّهُ مُثْبَتٌ فِي مَصَاحِفِهِمْ .
وَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ الَّتِي تُوجِبُ قِرَاءَةَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ مَوْجُودَةً فِي حَالٍ أُخْرَى ، وَالْقِرَاءَةُ مُخْتَلِفَةٌ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِقَوَافِي الشِّعْرِ بِنَظِيرٍ ؛ لِأَنَّ قَوَافِيَ الشِّعْرِ إِنَّمَا تُلْحَقُ فِيهَا الْأَلِفَاتُ فِي مَوَاضِعِ الْفَتْحِ ، وَالْيَاءُ فِي مَوَاضِعِ الْكَسْرِ ، وَالْوَاوُ فِي مَوَاضِعِ الضَّمِّ طَلَبًا لِتَتِمَّةِ الْوَزْنِ ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَوْ لَمْ يَفْعَلْ كَذَلِكَ بَطَلَ أَنْ يَكُونَ شِعْرًا لِاسْتِحَالَتِهِ عَنْ وَزْنِهِ ، وَلَا شَيْءَ يَضْطَرُّ تَالِي الْقُرْآنِ إِلَى فِعْلِ ذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ . وَقَوْلُهُ : هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ يَقُولُ : عِنْدَ ذَلِكَ اخْتُبِرَ إِيمَانُ الْمُؤْمِنِينَ ، وَمُحِّصَ الْقَوْمُ وَعُرِفَ الْمُؤْمِنُ مِنَ الْمُنَافِقِ . وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلَهُ : هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ قَالَ : مُحِّصُوا . وَقَوْلُهُ : وَزُلْزِلُوا زِلْزَالا شَدِيدًا يَقُولُ : وَحُرِّكُوا بِالْفِتْنَةِ تَحْرِيكًا شَدِيدًا ، وَابْتُلُوا وَفُتِنُوا . وَقَوْلُهُ : وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ شَكٌّ فِي الْإِيمَانِ وَضَعْفٌ فِي اعْتِقَادِهِمْ إِيَّاهُ : مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا ، وَذَلِكَ فِيمَا ذُكِرَ قَوْلَ مُعَتِّبِ بْنِ قُشَيْرٍ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : ثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ : ثَنِي يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلا غُرُورًا ﴾ يَقُولُ : مُعَتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ ، إِذْ قَالَ مَا قَالَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ . حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلَهُ : وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ قَالَ : تَكَلُّمُهُمْ بِالنِّفَاقِ يَوْمَئِذٍ وَتَكَلَّمَ الْمُؤْمِنُونَ بِالْحَقِّ وَالْإِيمَانِ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ .
حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلا غُرُورًا ﴾ قَالَ : قَالَ ذَلِكَ أُنَاسٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ ، قَدْ كَانَ مُحَمَّدٌ يَعِدُنَا فَتْحَ فَارِسَ وَالرُّومَ ، وَقَدْ حُصِرْنَا هَاهُنَا ، حَتَّى مَا يَسْتَطِيعُ أَحَدُنَا أَنْ يَبْرُزَ لِحَاجَتِهِ ، مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا . حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ قَالَ : قَالَ رَجُلٌ يَوْمَ الْأَحْزَابِ لِرَجُلٍ مِنْ صَحَابَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : يَا فُلَانُ أَرَأَيْتَ إِذْ يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِذَا هَلَكَ قَيْصَرٌ فَلَا قَيْصَرَ بَعْدَهُ ، وَإِذَا هَلَكَ كِسْرَى فَلَا كِسْرَى بَعْدَهُ ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُنْفَقَنَّ كُنُوزُهُمَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأَيْنَ هَذَا مِنْ هَذَا ، وَأَحَدُنَا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَخْرُجَ يَبُولُ مِنَ الْخَوْفِ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلا غُرُورًا ؟ فَقَالَ لَهُ : كَذَبْتَ ، لِأُخْبِرَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَبَرَكَ ، قَالَ : فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَأَخْبَرَهُ ، فَدَعَاهُ فَقَالَ : مَا قُلْتَ ؟ فَقَالَ : كَذَبَ عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا قُلْتُ شَيْئًا ، مَا خَرَجَ هَذَا مِنْ فَمِي قَطُّ ، قَالَ اللَّهُ : يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ حَتَّى بَلَغَ وَمَا لَهُمْ فِي الأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ قَالَ : فَهَذَا قَوْلُ اللَّهِ : إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً . حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ : ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ عَثْمَةَ قَالَ : ثَنَا كَثِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ الْمُزَنِيُّ قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : خَطَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْخَنْدَقَ عَامَ ذُكِرَتِ الْأَحْزَابُ ، مِنْ أَحْمَرَ الشَّيْخَيْنِ طَرَفَ بَنِي حَارِثَةَ ، حَتَّى بَلَغَ الْمَذَادَ ، ثُمَّ جَعَلَ أَرْبَعِينَ ذِرَاعًا بَيْنَ كُلِّ عَشْرَةٍ ، فَاخْتَلَفَ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ فِي سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ ، وَكَانَ رَجُلًا قَوِيًّا ، فَقَالَ الْأَنْصَارُ : سَلْمَانُ مِنَّا ، وَقَالَ الْمُهَاجِرُونَ : سَلْمَانُ مِنَّا ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : سَلْمَانُ مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ .
قَالَ عَمْرُو بْنُ عَوْفٍ : فَكُنْتُ أَنَا وَسَلْمَانُ وَحُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ وَالنُّعْمَانُ بْنُ مُقَرِّنٍ الْمُزَنِيُّ ، وَسِتَّةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ ، فِي أَرْبَعِينَ ذِرَاعًا ، فَحَفَرْنَا تَحْتَ دُوبَارٍ حَتَّى بَلَغْنَا الصَّرَى ، أَخْرَجَ اللَّهُ مِنْ بَطْنِ الْخَنْدَقِ صَخْرَةً بَيْضَاءَ مَرْوَةً فَكَسَرَتْ حَدِيدَنَا ، وَشَقَّتْ عَلَيْنَا ، فَقُلْنَا : يَا سَلْمَانُ ، ارْقَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَأَخْبِرْهُ خَبَرَ هَذِهِ الصَّخْرَةِ ، فَإِمَّا أَنْ نَعْدِلَ عَنْهَا ، فَإِنَّ الْمَعْدِلَ قَرِيبٌ ، وَإِمَّا أَنْ يَأْمُرَنَا فِيهَا بِأَمْرِهِ ، فَإِنَّا لَا نُحِبُّ أَنْ نُجَاوِزَ خَطَّهُ . فَرَقَى سَلْمَانُ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ ضَارِبٌ عَلَيْهِ قُبَّةً تُرْكِيَّةً ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِينَا أَنْتَ وَأُمِّنَا خَرَجَتْ صَخْرَةٌ بَيْضَاءُ مِنْ بَطْنِ الْخَنْدَقِ مَرْوَةً ، فَكَسَرَتْ حَدِيدَنَا ، وَشَقَّتْ عَلَيْنَا حَتَّى مَا يَجِيءُ مِنْهَا قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ ، فَمُرْنَا فِيهَا بِأَمْرِكَ ، فَإِنَّا لَا نُحِبُّ أَنْ نُجَاوِزَ خَطَّكَ ، فَهَبَطَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ سَلْمَانَ فِي الْخَنْدَقِ ، وَرَقَيْنَا نَحْنُ التِّسْعَةُ عَلَى شَفَةِ الْخَنْدَقِ ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمِعْوَلَ مِنْ سَلْمَانَ ، فَضَرَبَ الصَّخْرَةَ ضَرْبَةً صَدَعَهَا ، وَبَرَقَتْ مِنْهَا بَرْقَةٌ أَضَاءَتْ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا - يَعْنِي لَابَتَيِ الْمَدِينَةِ - حَتَّى لَكَأَنَّ مِصْبَاحًا فِي جَوْفِ بَيْتٍ مُظْلِمٍ ، فَكَبَّرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَكْبِيرَ فَتْحٍ ، وَكَبَّرَ الْمُسْلِمُونَ ثُمَّ ضَرَبَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الثَّانِيَةَ ، فَصَدَعَهَا وَبَرَقَتْ مِنْهَا بَرْقَةٌ أَضَاءَتْ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا ، حَتَّى لَكَأَنَّ مِصْبَاحًا فِي جَوْفِ بَيْتٍ مُظْلِمٍ ، فَكَبَّرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَكْبِيرَ فَتْحٍ ، وَكَبَّرَ الْمُسْلِمُونَ ، ثُمَّ ضَرَبَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الثَّالِثَةَ فَكَسَرَهَا ، وَبَرَقَتْ مِنْهَا بَرْقَةٌ أَضَاءَتْ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا ، حَتَّى لَكَأَنَّ مِصْبَاحًا فِي جَوْفِ بَيْتٍ مُظْلِمٍ ، فَكَبَّرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَكْبِيرَ فَتْحٍ ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِ سَلْمَانَ فَرَقَى ، فَقَالَ سَلْمَانُ : بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لَقَدْ رَأَيْتُ شَيْئًا مَا رَأَيْتُهُ قَطُّ ، فَالْتَفَتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى الْقَوْمِ ، فَقَالَ : هَلْ رَأَيْتُمْ مَا يَقُولُ سَلْمَانُ ؟ قَالُوا : نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِينَا أَنْتَ وَأُمِّنَا ، وَقَدْ رَأَيْنَاكَ تَضْرِبُ ، فَيَخْرُجُ بَرْقٌ كَالْمَوْجِ ، فَرَأَيْنَاكَ تُكَبِّرُ فَنُكَبِّرُ ، وَلَا نَرَى شَيْئًا غَيْرَ ذَلِكَ ، قَالَ : صَدَقْتُمْ ضَرَبْتُ ضَرْبَتِي الْأُولَى ، فَبَرَقَ الَّذِي رَأَيْتُمْ أَضَاءَ لِي مِنْهُ قُصُورُ الْحِيرَةِ وَمَدَائِنُ كِسْرَى ، كَأَنَّهَا أَنْيَابُ الْكِلَابِ ، فَأَخْبَرَنِي جَبْرَائِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّ أُمَّتِي ظَاهِرَةٌ عَلَيْهَا ، ثُمَّ ضَرَبْتُ ضَرْبَتِي الثَّانِيَةَ ، فَبَرَقَ الَّذِي رَأَيْتُمْ ، أَضَاءَ لِي مِنْهُ قُصُورُ الْحُمْرِ مِنْ أَرْضِ الرُّومِ ، كَأَنَّهَا أَنْيَابُ الْكِلَابِ ، وَأَخْبَرَنِي جَبْرَائِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّ أُمَّتِي ظَاهِرَةٌ عَلَيْهَا ، ثُمَّ ضَرَبْتُ ضَرْبَتِي الثَّالِثَةَ ، وَبَرَقَ مِنْهَا الَّذِي رَأَيْتُمْ ، أَضَاءَتْ لِي مِنْهَا قُصُورُ صَنْعَاءَ ، كَأَنَّهَا أَنْيَابُ الْكِلَابِ ، وَأَخْبَرَنِي جَبْرَائِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّ أُمَّتِي ظَاهِرَةٌ عَلَيْهَا ، فَأَبْشِرُوا يُبَلِّغُهُمُ النَّصْرَ ، وَأَبْشِرُوا يُبَلِّغُهُمُ النَّصْرَ ، وَأَبْشِرُوا يُبَلِّغُهُمُ النَّصْرَ ؛ فَاسْتَبْشَرَ الْمُسْلِمُونَ ، وَقَالُوا : الْحَمْدُ لِلَّهِ مَوْعُودُ صِدْقٍ ، بِأَنْ وَعَدَنَا النَّصْرَ بَعْدَ الْحَصْرِ ، فَطَبَّقَتِ الْأَحْزَابُ ، فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ الْآيَةَ ، وَقَالَ الْمُنَافِقُونَ : أَلَا تَعْجَبُونَ يُحَدِّثُكُمْ وَيُمَنِّيكُمْ وَيَعِدُكُمُ الْبَاطِلَ ، يُخْبِرُكُمْ أَنَّهُ يُبْصِرُ مِنْ يَثْرِبَ قُصُورَ الْحِيرَةِ وَمَدَائِنَ كِسْرَى ، وَأَنَّهَا تُفْتَحُ لَكُمْ وَأَنْتُمْ تَحْفِرُونَ الْخَنْدَقَ مِنَ الْفَرَقِ ، وَلَا تَسْتَطِيعُونَ أَنْ تَبْرُزُوا؟ وَأُنْزِلَ الْقُرْآنُ ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلا غُرُورًا ﴾ .