الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ . . . "
) ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾( 24 ) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ يَقُولُ : أَوْفُوا بِمَا عَاهَدُوهُ عَلَيْهِ مِنَ الصَّبْرِ عَلَى الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ ، وَحِينَ الْبَأْسِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ يَقُولُ : فَمِنْهُمْ مَنْ فَرَغَ مِنَ الْعَمَلِ الَّذِي كَانَ نَذَرَهُ اللَّهَ وَأَوْجَبَهُ لَهُ عَلَى نَفْسِهِ ، فَاسْتُشْهِدَ بَعْضٌ يَوْمَ بَدْرٍ ، وَبَعْضٌ يَوْمَ أُحُدٍ ، وَبَعْضٌ فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَوَاطِنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ قَضَاءَهُ وَالْفَرَاغَ مِنْهُ ، كَمَا قَضَى مَنْ مَضَى مِنْهُمْ عَلَى الْوَفَاءِ لِلَّهِ بِعَهْدِهِ ، وَالنَّصْرِ مِنَ اللَّهِ ، وَالظَّفَرِ عَلَى عَدُوِّهِ . وَالنَّحْبُ : النَّذْرُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ . وَلِلنَّحْبِ أَيْضًا فِي كَلَامِهِمْ وُجُوهٌ غَيْرُ ذَلِكَ ، مِنْهَا الْمَوْتُ ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : قَضَى نَحْبَهُ فِي مُلْتَقَى الْقَوْمِ هَوْبَرُ يَعْنِي : مَنِيَّتَهُ وَنَفْسَهُ ؛ وَمِنْهَا الْخَطَرُ الْعَظِيمُ ، كَمَا قَالَ جَرِيرٌ : بِطَخْفَةَ جَالَدْنَا الْمُلُوكَ وَخَيْلُنَا عَشِيَّةَ بِسْطَامٍ جَرَيْنَ عَلَى نَحْبِ أَيْ عَلَى خَطَرٍ عَظِيمٍ ؛ وَمِنْهَا النَّحِيبُ ، يُقَالُ : نَحَبَ فِي سَيْرِهِ يَوْمَهُ أَجْمَعَ : إِذَا مَدَّ فَلَمْ يَنْزِلْ يَوْمَهُ وَلَيْلَتَهُ ؛ وَمِنْهَا التَّنْحِيبُ ، وَهُوَ الْخِطَارُ ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : وَإِذْ نَحَّبَتْ كَلْبٌ عَلَى النَّاسِ أَيُّهُمْ أَحَقُّ بِتَاجِ الْمَاجِدِ الْمُتَكَوِّمِ ؟ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : ثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ : ثَنِي يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ : أَيْ : وَفُّوا اللَّهَ بِمَا عَاهَدُوهُ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ أَيْ فَرَغَ مِنْ عَمِلِهِ ، وَرَجَعَ إِلَى رَبِّهِ ، كَمَنِ اسْتُشْهِدَ يَوْمَ بَدْرٍ وَيَوْمَ أُحُدٍ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ مَا وَعَدَ اللَّهَ مِنْ نَصْرِهِ وَالشَّهَادَةِ عَلَى مَا مَضَى عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ . حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : ثَنَا عِيسَى ؛ وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ قَالَ : عَهْدَهُ فَقُتِلَ أَوْ عَاشَ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ يَوْمًا فِيهِ جِهَادٌ ، فَيَقْضِي ( نَحْبَهُ ) عَهْدَهُ ، فَيُقْتَلُ أَوْ يَصْدُقُ فِي لِقَائِهِ . حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : ثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ قَالَ : عَهْدَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ قَالَ : يَوْمًا فِيهِ قِتَالٌ ، فَيَصْدُقُ فِي اللِّقَاءِ .
قَالَ : ثَنَا أَبِي ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ قَالَ : مَاتَ عَلَى الْعَهْدِ . قَالَ : ثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ فُلَانٍ - قَدْ سَمَّاهُ ، ذَهَبَ عَنِّي اسْمُهُ - عَنْ أَبِيهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ قَالَ : نَذْرَهُ . حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى ، عَنْ عَمِّهِ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ : أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَسَأَلَهُ : مَنَ الَّذِينَ قَضَوْا نَحْبَهُمْ ؟ فَأَعْرَضَ عَنْهُ ، ثُمَّ سَأَلَهُ ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ ، وَدَخَلَ طَلْحَةُ مِنْ بَابِ الْمَسْجِدِ وَعَلَيْهِ ثَوْبَانِ أَخْضَرَانِ ، فَقَالَ : هَذَا مِنَ الَّذِينَ قَضَوْا نَحْبَهُمْ .
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ : ثَنَا هَوْذَةُ قَالَ : ثَنَا عَوْفٌ ، عَنِ الْحَسَنِ ، فِي قَوْلِهِ : فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ قَالَ : مَوْتَهُ عَلَى الصِّدْقِ وَالْوَفَاءِ . وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ الْمَوْتَ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ بَدَّلَ تَبْدِيلًا . حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عِمَارَةَ قَالَ : ثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى قَالَ : أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ قَالَ : النَّحْبُ : الْعَهْدُ .
حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ عَلَى الصِّدْقِ وَالْوَفَاءِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ مِنْ نَفْسِهِ الصِّدْقَ وَالْوَفَاءَ . حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ : فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ قَالَ : مَاتَ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنَ التَّصْدِيقِ وَالْإِيمَانِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ ذَلِكَ . حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ : ثَنَا ابْنُ أَبِي بُكَيْرٍ قَالَ : شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، أُخْبِرْنَاهُ عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ قَالَ : الْمَوْتَ عَلَى مَا عَاهَدَ اللَّهَ عَلَيْهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ الْمَوْتَ عَلَى مَا عَاهَدَ اللَّهَ عَلَيْهِ .
وَقِيلَ : إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ لَمْ يَشْهَدُوا بَدْرًا ، فَعَاهَدُوا اللَّهَ أَنْ يَفُوا قِتَالًا لِلْمُشْرِكِينَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَوْفَى فَقَضَى نَحْبَهُ ، وَمِنْهُمْ مَنْ بَدَّلَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَوْفَى وَلَمْ يَقْضِ نَحْبَهُ ، وَكَانَ مُنْتَظِرًا ، عَلَى مَا وَصَفَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنْ صِفَاتِهِمْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ قَالَ : ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ قَالَ : ثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ أَنَسٍ ، أَنَّ أَنَسَ بْنَ النَّضْرِ تَغَيَّبَ عَنْ قِتَالِ بَدْرٍ ، فَقَالَ : تَغَيَّبْتُ عَنْ أَوَّلِ مَشْهَدٍ شَهِدَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، لَئِنْ رَأَيْتُ قِتَالًا لَيَرَيَنَّ اللَّهُ مَا أَصْنَعُ ؛ فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ ، وَهُزِمَ النَّاسُ ، لَقِيَ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ فَقَالَ : وَاللَّهِ إِنِّي لِأَجِدُ رِيحَ الْجَنَّةِ ، فَتَقَدَّمَ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ ، فَنَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الْآيَةُ : مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ . حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ : ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ : ثَنَا حُمَيْدٌ قَالَ : زَعَمَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ : غَابَ أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ ، عَنْ قِتَالِ يَوْمِ بَدْرٍ ، فَقَالَ : غِبْتُ عَنْ قِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمُشْرِكِينَ ، لَئِنْ أَشْهَدَنِي اللَّهُ قِتَالًا لَيَرَيَنِّ اللَّهُ مَا أَصْنَعُ ؛ فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ ، انْكَشَفَ الْمُسْلِمُونَ ، فَقَالَ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا جَاءَ بِهِ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ ، وَأَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلَاءِ ، يَعْنِي : الْمُسْلِمِينَ ، فَمَشَى بِسَيْفِهِ ، فَلَقِيَهُ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ ، فَقَالَ : أَيْ سَعْدٌ ، إِنِّي لِأَجِدُ رِيحَ الْجَنَّةِ دُونَ أُحُدٍ ، فَقَالَ سَعْدٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَمَا اسْتَطَعْتُ أَنْ أَصْنَعَ مَا صَنَعَ ، قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ : فَوَجَدْنَاهُ بَيْنَ الْقَتْلَى ، بِهِ بِضْعٌ وَثَمَانُونَ جِرَاحَةً ، بَيْنَ ضَرْبَةٍ بِسَيْفٍ ، وَطَعْنَةٍ بِرُمْحٍ ، وَرَمْيَةٍ بِسَهْمٍ ، فَمَا عَرَفْنَاهُ حَتَّى عَرَفَتْهُ أُخْتُهُ بِبَنَانِهِ ، قَالَ أَنَسٌ : فَكُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ نَزَلَتْ فِيهِ ، وَفِي أَصْحَابِهِ .
حَدَّثَنَا سَوَّارُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : ثَنَا الْمُعْتَمِرُ قَالَ : سَمِعْتُ حُمَيْدًا يُحَدِّثُ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، أَنَّ أَنَسَ بْنَ النَّضْرِ : غَابَ عَنْ قِتَالِ بَدْرٍ ، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَهُ . حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : ثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ : ثَنَا طَلْحَةُ بْنُ يَحْيَى ، عَنْ مُوسَى وَعِيسَى بْنِ طَلْحَةَ عَنْ طَلْحَةَ أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، قَالَ : وَكَانُوا لَا يَجْرُءُونَ عَلَى مَسْأَلَتِهِ ، فَقَالُوا لِلْأَعْرَابِيِّ : سَلْهُ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ مَنْ هُوَ ؟ فَسَأَلَهُ ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ ، ثُمَّ سَأَلَهُ ، فَأَعْرَضُ عَنْهُ ، ثُمَّ دَخَلْتُ مِنْ بَابِ الْمَسْجِدِ وَعَلَيَّ ثِيَابٌ خُضْرٌ ؛ فَلَمَّا رَآنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : أَيْنَ السَّائِلُ عَمَّنْ قَضَى نَحْبَهُ ؟ قَالَ الْأَعْرَابِيُّ : أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ : هَذَا مِمَّنْ قَضَى نَحْبَهُ . حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : ثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ الْحِمَّانِيُّ ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ يَحْيَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ قَالَ : قَامَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ ، فَقَالَ : إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : طَلْحَةُ مِمَّنْ قَضَى نَحْبَهُ .
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ تَمَّامٍ الْكَلْبِيُّ قَالَ : ثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَيُّوبَ قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ إِسْحَاقَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ طَلْحَةَ ، عَنْ عَمِّهِ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ ، عَنْ أَبِيهِ طَلْحَةَ قَالَ : لَمَّا قَدِمْنَا مِنْ أُحُدٍ وَصِرْنَا بِالْمَدِينَةِ ، صَعِدَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمِنْبَرَ ، فَخَطَبَ النَّاسَ وَعَزَّاهُمْ ، وَأَخْبَرَهُمْ بِمَا لَهُمْ فِيهِ مِنَ الْأَجْرِ ، ثُمَّ قَرَأَ : رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ الْآيَةَ ، قَالَ : فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَنْ هَؤُلَاءِ ؟ فَالْتَفَتَ وَعَلَيَّ ثَوْبَانِ أَخْضَرَانِ ، فَقَالَ : أَيُّهَا السَّائِلُ هَذَا مِنْهُمْ . وَقَوْلُهُ : وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا : وَمَا غَيَّرُوا الْعَهْدَ الَّذِي عَاقَدُوا رَبَّهُمْ تَغْيِيرًا ، كَمَا غَيَّرَهُ الْمُعَوِّقُونَ الْقَائِلُونَ لِإِخْوَانِهِمْ : هَلُمَّ إِلَيْنَا ، وَالْقَائِلُونَ : إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا يَقُولُ : مَا شَكُّوا وَمَا تَرَدَّدُوا فِي دِينِهِمْ ، وَلَا اسْتَبْدَلُوا بِهِ غَيْرَهُ . حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ : وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا : لَمْ يُغَيِّرُوا دِينَهُمْ كَمَا غَيَّرَ الْمُنَافِقُونَ . وَقَوْلُهُ : لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ : يَقُولُ : لِيُثِيبَ اللَّهُ أَهْلَ الصِّدْقِ بِصِدْقِهِمُ اللَّهَ بِمَا عَاهَدُوهُ عَلَيْهِ ، وَوَفَائِهِمْ لَهُ بِهِ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ بِكُفْرِهِمْ بِاللَّهِ وَنِفَاقِهِمْ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ مِنْ نِفَاقِهِمْ ، فَيَهْدِيهِمْ لِلْإِيمَانِ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ يَقُولُ : إِنْ شَاءَ أَخْرَجَهُمْ مِنَ النِّفَاقِ إِلَى الْإِيمَانِ . إِنْ قَالَ قَائِلٌ : مَا وَجْهُ الشَّرْطِ فِي قَوْلِهِ : وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ بِقَوْلِهِ : ( إِنْ شَاءَ ) وَالْمُنَافِقُ كَافِرٌ وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ لَا يَشَاءَ تَعْذِيبَ الْمُنَافِقِ ، فَيُقَالُ : وَيُعَذِّبُهُ إِنْ شَاءَ ؟ قِيلَ : إِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ عَلَى غَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي تَوَهَّمْتَهُ .
وَإِنَّمَا مَعْنَى ذَلِكَ : وَيُعَذِّبُ الْمُنَافِقِينَ بِأَنْ لَا يُوَفِّقَهُمْ لِلتَّوْبَةِ مِنْ نِفَاقِهِمْ حَتَّى يَمُوتُوا عَلَى كُفْرِهِمْ إِنْ شَاءَ ، فَيَسْتَوْجِبُوا بِذَلِكَ الْعَذَابَ ، فَالِاسْتِثْنَاءُ إِنَّمَا هُوَ مِنَ التَّوْفِيقِ لَا مِنَ الْعَذَابِ إِنْ مَاتُوا عَلَى نِفَاقِهِمْ . وَقَدْ بَيَّنَ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ : أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ فَمَعْنَى الْكَلَامِ إِذَنْ : وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِذْ لَمْ يَهْدِهِمْ لِلتَّوْبَةِ ، فَيُوَفِّقُهُمْ لَهَا ، أَوْ يَتُوبُ عَلَيْهِمْ فَلَا يُعَذِّبُهُمْ . وَقَوْلُهُ : إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا يَقُولُ : إِنَّ اللَّهَ كَانَ ذَا سَتْرٍ عَلَى ذُنُوبِ التَّائِبِينَ ، رَحِيمًا بِالتَّائِبِينَ أَنْ يُعَاقِبَهُمْ بَعْدَ التَّوْبَةِ .