الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا "
) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْكُنَّ ، وَتَعْمَلْ بِمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ ؛ نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ يَقُولُ : يُعْطِهَا اللَّهُ ثَوَابَ عَمَلِهَا ، مِثْلَيْ ثَوَابِ عَمَلِ غَيْرِهِنَّ مِنْ سَائِرِ نِسَاءِ النَّاسِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا يَقُولُ : وَأَعْتَدْنَا لَهَا فِي الْآخِرَةِ عَيْشًا هَنِيئًا فِي الْجَنَّةِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : ثَنِي أَبِي ، قَالَ : ثَنِي عَمِّي ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ الْآيَةَ ، يَعْنِي مَنْ تُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَتَعْمَلْ صَالِحًا ؛ تَصُومُ وَتُصَلِّي .
حَدَّثَنِي سَلْمُ بْنُ جُنَادَةَ قَالَ : ثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ قَالَ : سَأَلْتُ عَامِرًا عَنِ الْقُنُوتِ ، قَالَ : وَمَا هُوَ ؟ قَالَ : قُلْتَ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ قَالَ : مُطِيعِينَ ، قَالَ : قُلْتُ وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ قَالَ : يُطِعْنَ . حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ أَيْ : مَنْ يُطِعْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا وَهِيَ الْجَنَّةُ . وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا فَقَرَأَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْحِجَازِ وَالْبَصْرَةِ : ( وَتَعْمَلْ ) بِالتَّاءِ رَدًّا عَلَى تَأْوِيلِ مِنْ إِذْ جَاءَ بَعْدَ قَوْلِهِ ( مِنْكُنَّ ) .
وَحَكَى بَعْضُهُمْ عَنِ الْعَرَبِ أَنَّهَا تَقُولُ : كَمْ بِيعَ لَكَ جَارِيَةٌ ؟ وَأَنَّهُمْ إِنْ قَدَّمُوا الْجَارِيَةَ قَالُوا : كَمْ جَارِيَةً بِيعَتْ لَكَ ؟ فَأَنَّثُوا الْفِعْلَ بَعْدَ الْجَارِيَةِ ، وَالْفِعْلُ فِي الْوَجْهَيْنِ لِ كَمْ لَا لِلْجَارِيَةِ . وَذَكَرَ الْفَرَّاءُ أَنَّ بَعْضَ الْعَرَبِ أَنْشَدَهُ : أَيَا أُمَّ عَمْرٍو مَنْ يَكُنْ عُقْرُ دَارِهِ جِوَاءَ عَدِيٍّ يِأْكُلُ الْحَشَرَاتِ وَيَسْوَدُّ مِنْ لَفْحِ السَّمُومِ جَبِينُهُ وَيَعْرُو إِنْ كَانَ ذَوِي بَكَرَاتِ فَقَالَ : وَإِنْ كَانُوا وَلَمْ يَقُلْ : وَإِنْ كَانَ ، وَهُوَ لِمَنْ فَرَدَهُ عَلَى الْمَعْنَى . وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ ، فَقَرَأَتْ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّائِهَا : ( وَيَعْمَلْ ) بِالْيَاءِ عَطْفًا عَلَى يَقْنُتْ ، إِذْ كَانَ الْجَمِيعُ عَلَى قِرَاءَةِ الْيَاءِ .
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَشْهُورَتَانِ ، وَلُغَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ ، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ تَرُدُّ خَبَرَ مَنْ أَحْيَانًا عَلَى لَفْظِهَا ، فَتُوَحِّدُ وَتُذَكِّرُ ، وَأَحْيَانًا عَلَى مَعْنَاهَا كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لا يَعْقِلُونَ ﴾وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ فَجَمَعَ مَرَّةً لِلْمَعْنَى وَوَحَّدَ أُخْرَى لِلَّفْظِ .