الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ "
) ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ﴾( 5 ) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : وَإِنْ يُكَذِّبْكَ يَا مُحَمَّدُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ بِاللَّهِ مِنْ قَوْمِكَ فَلَا يَحْزُنَنَّكَ ذَاكَ ، وَلَا يَعْظُمُ عَلَيْكَ ، فَإِنَّ ذَلِكَ سُنَّةُ أَمْثَالِهِمْ مِنْ كَفَرَةِ الْأُمَمِ بِاللَّهِ مِنْ قَبْلِهِمْ وَتَكْذِيبُهُمْ رُسُلَ اللَّهِ الَّتِي أَرْسَلَهَا إِلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِكَ ، وَلَنْ يَعْدُوَ مُشْرِكُو قَوْمِكَ أَنْ يَكُونُوا مِثْلَهُمْ ، فَيَتَّبِعُوا فِي تَكْذِيبِكَ مِنْهَاجَهُمْ وَيَسْلُكُوا سَبِيلَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَإِلَى اللَّهِ مَرْجِعُ أَمْرِكَ وَأَمْرِهِمْ ، فَمُحِلٌّ بِهِمُ الْعُقُوبَةَ ، إِنْ هُمْ لَمْ يُنِيبُوا إِلَى طَاعَتِنَا فِي اتِّبَاعِكَ وَالْإِقْرَارِ بِنُبُوَّتِكَ ، وَقَبُولِ مَا دَعَوْتَهُمْ إِلَيْهِ مِنَ النَّصِيحَةِ نَظِيرَ مَا أَحْلَلْنَا بِنُظَرَائِهِمْ مِنَ الْأُمَمِ الْمُكَذِّبَةِ رُسُلَهَا قَبْلَكَ ، وَمُنْجِيكَ وَأَتْبَاعَكَ مِنْ ذَلِكَ ، سُنَّتُنَا بِمَنْ قَبْلَكَ فِي رُسُلِنَا وَأَوْلِيَائِنَا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ يُعَزِّي نَبِيَّهُ كَمَا تَسْمَعُونَ .
وَقَوْلُهُ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - لِمُشْرِكِي قُرَيْشٍ الْمُكَذِّبِي رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ إِيَّاكُمْ بَأْسَهُ عَلَى إِصْرَارِكُمْ عَلَى الْكُفْرِ بِهِ ، وَتَكْذِيبِ رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَتَحْذِيرَكُمْ نُزُولَ سَطْوَتِهِ بِكُمْ عَلَى ذَلِكَ حَقٌّ ، فَأَيْقِنُوا بِذَلِكَ ، وَبَادِرُوا حُلُولَ عُقُوبَتِكُمْ بِالتَّوْبَةِ ، وَالْإِنَابَةِ إِلَى طَاعَةِ اللَّهِ ، وَالْإِيمَانِ بِهِ وَبِرَسُولِهِ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا يَقُولُ : فَلَا يَغُرَّنَّكُمْ مَا أَنْتُمْ فِيهِ مِنَ الْعَيْشِ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا وَرِيَاسَتُكُمُ الَّتِي تَتَرَأَّسُونَ بِهَا فِي ضُعَفَائِكُمْ فِيهَا عَنِ اتِّبَاعِ مُحَمَّدٍ وَالْإِيمَانِ وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ يَقُولُ : وَلَا يَخْدَعَنَّكُمْ بِاللَّهِ الشَّيْطَانُ ، فَيُمَنِّيكُمُ الْأَمَانِيَّ ، وَيَعِدُكُمْ مِنَ اللَّهِ الْعِدَاتِ الْكَاذِبَةَ ، وَيَحْمِلُكُمْ عَلَى الْإِصْرَارِ عَلَى كُفْرِكُمْ بِاللَّهِ . كَمَا حَدَّثَنِي عَلِيٌّ قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ يَقُولُ : الشَّيْطَانُ .