الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا . . . "
) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : ( وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ) أَيُّهَا النَّاسُ ( مِنْ تُرَابٍ ) يَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّهُ خَلَقَ أَبَاهُمْ آدَمَ مِنْ تُرَابٍ ; فَجَعَلَ خَلْقَ أَبِيهِمْ مِنْهُ لَهُمْ خَلْقًا ( ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ) يَقُولُ : ثُمَّ خَلَقَكُمْ مِنْ نُطْفَةِ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا يَعْنِي أَنَّهُ زَوَّجَ مِنْهُمُ الْأُنْثَى مِنَ الذَّكَرِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ يَعْنِي آدَمَ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ يَعْنِي ذُرِّيَّتَهُ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا فَزَوَّجَ بَعْضَكُمْ بَعْضًا .
وَقَوْلُهُ وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلا بِعِلْمِهِ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى مِنْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ مِنْ حَمْلٍ وَلَا نُطْفَةٍ إِلَّا وَهُوَ عَالِمٌ بِحَمْلِهَا إِيَّاهُ وَوَضْعِهَا وَمَا هُوَ؟ ذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى؟ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ . وَقَوْلُهُ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلا فِي كِتَابٍ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَاهُ : وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ فَيَطُولُ عُمُرُهُ ، وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِ آخَرَ غَيْرِهِ عَنْ عُمُرِ هَذَا الَّذِي عَمَّرَ عُمُرًا طَوِيلًا ( إِلَّا فِي كِتَابٍ ) عِنْدَهُ مَكْتُوبٌ قَبْلَ أَنْ تَحْمِلَ بِهِ أُمُّهُ ، وَقَبْلَ أَنْ تَضَعَهُ ، قَدْ أَحْصَى ذَلِكَ كُلَّهُ وَعَلِمَهُ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَهُ ، لَا يُزَادُ فِيمَا كَتَبَ لَهُ وَلَا يُنْقَصُ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : ثَنِي أَبِي قَالَ : ثَنِي عَمِّي قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ إِلَى ( يَسِيرٌ ) يَقُولُ : لَيْسَ أَحَدٌ قَضَيْتُ لَهُ طُولَ الْعُمُرِ وَالْحَيَاةِ إِلَّا وَهُوَ بَالِغٌ مَا قَدَّرْتُ لَهُ مِنَ الْعُمُرِ ، وَقَدْ قَضَيْتُ ذَلِكَ لَهُ ، وَإِنَّمَا يَنْتَهِي إِلَى الْكِتَابِ الَّذِي قَدَّرْتُ لَهُ لَا يُزَادُ عَلَيْهِ ، وَلَيْسَ أَحَدٌ قَضَيْتُ لَهُ أَنَّهُ قَصِيرُ الْعُمُرِ وَالْحَيَاةِ بِبَالِغٍ الْعُمُرَ ، وَلَكِنْ يَنْتَهِي إِلَى الْكِتَابِ الَّذِي قَدَّرْتُ لَهُ لَا يُزَادُ عَلَيْهِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلا فِي كِتَابٍ يَقُولُ : كُلُّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ عِنْدَهُ .
حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ يَقُولُ : مَنْ قَضَيْتُ لَهُ أَنْ يُعَمَّرَ حَتَّى يُدْرِكَهُ الْكِبَرُ ، أَوْ يُعَمَّرَ أَنْقَصَ مِنْ ذَلِكَ ، فَكُلٌّ بَالِغٌ أَجَلَهُ الَّذِي قَدْ قُضِي لَهُ ، كُلُّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ . حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلا فِي كِتَابٍ قَالَ : أَلَا تَرَى النَّاسَ ; الْإِنْسَانُ يَعِيشُ مِائَةَ سَنَةٍ ، وَآخَرُ يَمُوتُ حِينَ يُولَدُ؟ فَهَذَا هَذَا ، فَالْهَاءُ الَّتِي فِي قَوْلِهِ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ ، وَإِنْ كَانَتْ فِي الظَّاهِرِ أَنَّهَا كِنَايَةٌ عَنِ اسْمِ الْمُعَمَّرِ الْأَوَّلِ ، فَهِيَ كِنَايَةُ اسْمٍ آخَرَ غَيْرِهِ ، وَإِنَّمَا حَسُنَ ذَلِكَ لِأَنَّ صَاحِبَهَا لَوْ أَظْهَرَ لَظَهَرَ بِلَفْظِ الْأَوَّلِ ، وَذَلِكَ كَقَوْلِهِمْ : عِنْدِي ثَوْبٌ وَنِصْفُهُ ، وَالْمَعْنَى : وَنِصْفُ الْآخَرِ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ بِفَنَاءِ مَا فَنِيَ مِنْ أَيَّامِ حَيَاتِهِ ، فَذَلِكَ هُوَ نُقْصَانُ عُمُرِهِ ، وَالْهَاءُ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ لِلْمُعَمَّرِ الْأَوَّلِ ، لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ : مَا يَطُولُ عُمُرُ أَحَدٍ ، وَلَا يَذْهَبُ مِنْ عُمُرِهِ شَيْءٌ ، فَيُنْقَصُ إِلَّا وَهُوَ فِي كِتَابٍ عِنْدَ اللَّهِ مَكْتُوبٌ ، قَدْ أَحْصَاهُ وَعَلِمَهُ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي أَبُو حَصِينٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ قَالَ : ثَنَا عَبْثَرٌ قَالَ : ثَنَا حُصَيْنٌ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلا فِي كِتَابٍ قَالَ : مَا يَقْضِي مِنْ أَيَّامِهِ الَّتِي عُدِدَتْ لَهُ إِلَّا فِي كِتَابٍ . وَأَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ التَّأْوِيلُ الْأَوَّلُ ، وَذَلِكَ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ أَظْهَرُ مَعْنَيَيْهِ ، وَأَشْبَهُهُمَا بِظَاهِرِ التَّنْزِيلِ . وَقَوْلُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : إِنَّ إِحْصَاءَ أَعْمَارِ خَلْقِهِ عَلَيْهِ يَسِيرٌ سَهْلٌ ، طَوِيلُ ذَلِكَ وَقَصِيرُهُ ، لَا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْهُ .