الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ "
) ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ ﴾( 9 ) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : إِنَّا جَعَلْنَا أَيْمَانَ هَؤُلَاءِ الْكُفَّارِ مَغْلُولَةً إِلَى أَعْنَاقِهِمْ بِالْأَغْلَالِ ، فَلَا تُبْسَطُ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَيْرَاتِ . وَهِيَ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ فِيمَا ذُكِرَ ( إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَيْمَانِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ ) وَقَوْلُهُ ( إِلَى الْأَذْقَانِ ) يَعْنِي : فَأَيْمَانُهُمْ مَجْمُوعَةٌ بِالْأَغْلَالِ فِي أَعْنَاقِهِمْ ، فَكُنِّيَ عَنِ الْأَيْمَانِ ، وَلَمْ يَجْرِ لَهَا ذِكْرٌ لِمَعْرِفَةِ السَّامِعِينَ بِمَعْنَى الْكَلَامِ ، وَأَنَّ الْأَغْلَالَ إِذَا كَانَتْ فِي الْأَعْنَاقِ لَمْ تَكُنْ إِلَّا وَأَيْدِي الْمَغْلُولِينَ مَجْمُوعَةٌ بِهَا إِلَيْهَا ، فَاسْتَغْنَى بِذِكْرِ كَوْنِ الْأَغْلَالِ فِي الْأَعْنَاقِ مِنْ ذِكْرِ الْأَيْمَانِ ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : وَمَا أَدْرِي إِذَا يَمَّمْتُ وَجْهًا أُرِيدُ الخَيْرَ أَيُّهُمَا يَلِينِي أَأَلْخَيْرُ الَّذِي أَنَا أَبْتَغِيهِ أَمِ الشَّرُّ الَّذِي لَا يَأْتَلِينِي فَكَنَّى عَنِ الشَّرِّ ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْخَيْرَ وَحْدَهُ لِعِلْمِ سَامِعِ ذَلِكَ بِمَعْنَى قَائِلِهِ ، إِذْ كَانَ الشَّرُّ مَعَ الْخَيْرِ يُذْكَرُ . وَالْأَذْقَانُ : جَمْعُ ذَقَنٍ ، وَالذَّقَنُ : مَجْمَعُ اللَّحْيَيْنِ .
وَقَوْلُهُ ( فَهُمْ مُقْمَحُونَ ) وَالْمُقْمَحُ هُوَ الْمُقَنَّعُ ، وَهُوَ أَنْ يَحْدُرَ الذَّقَنُ حَتَّى يَصِيرَ فِي الصَّدْرِ ، ثُمَّ يَرْفَعَ رَأْسَهُ فِي قَوْلِ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِكَلَامِ الْعَرَبِ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ ، وَفِي قَوْلِ بَعْضِ الْكُوفِيِّينَ : هُوَ الْغَاضُّ بَصَرَهُ بَعْدَ رَفْعِ رَأْسِهِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : ثَنِي أَبِي قَالَ : ثَنِي عَمِّي قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَوْلَهُ ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالا فَهِيَ إِلَى الأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ ﴾ قَالَ : هُوَ كَقَوْلِ اللَّهِ وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ يَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّ أَيْدِيَهُمْ مُوثَقَةٌ إِلَى أَعْنَاقِهِمْ ، لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَبْسُطُوهَا بِخَيْرٍ .
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ قَالَ : رَافِعُو رُءُوسِهِمْ ، وَأَيْدِيهِمْ مَوْضُوعَةٌ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ . حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلَهُ ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالا فَهِيَ إِلَى الأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ ﴾ : أَيْ فَهُمْ مَغْلُولُونَ عَنْ كُلِّ خَيْرٍ . وَقَوْلُهُ وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِي هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ سَدًّا ، وَهُوَ الْحَاجِزُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ ; إِذَا فُتِحَ كَانَ مِنْ فِعْلِ بَنِي آدَمَ ، وَإِذَا كَانَ مِنْ فِعْلِ اللَّهِ كَانَ بِالضَّمِّ .
وَبِالضَّمِّ قَرَأَ ذَلِكَ قُرَّاءُ الْمَدِينَةِ ، وَالْبَصْرَةِ ، وَبَعْضُ الْكُوفِيِّينَ . وَقَرَأَهُ بَعْضُ الْمَكِّيِّينَ وَعَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفِيِّينَ بِفَتْحِ السِّينِ ( سَدًّا ) فِي الْحَرْفَيْنِ كِلَاهُمَا ; وَالضَّمُّ أَعْجَبُ الْقِرَاءَتَيْنِ إِلَيَّ فِي ذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَتِ الْأُخْرَى جَائِزَةً صَحِيحَةً . وَعَنَى بِقَوْلِهِ وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا أَنَّهُ زَيَّنَ لَهُمْ سُوءَ أَعْمَالِهِمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ ، وَلَا يُبْصِرُونَ رُشْدًا ، وَلَا يَتَنَبَّهُونَ حَقًّا .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : ثَنَا حَكَّامٌ ، عَنْ عَنْبَسَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي بَزَّةَ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا قَالَ : عَنِ الْحَقِّ . حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا عَنِ الْحَقِّ فَهُمْ يَتَرَدَّدُونَ .
حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا قَالَ : ضَلَالَاتٍ . حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ ﴾ قَالَ : جُعِلَ هَذَا سَدًّا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ ، فَهُمْ لَا يَخْلُصُونَ إِلَيْهِ ، وَقَرَأَ ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ وَقَرَأَ إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ . الْآيَةَ كُلَّهَا ، وَقَالَ : مَنْ مَنَعَهُ اللَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ .
وَقَوْلُهُ فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ يَقُولُ : فَأَغْشَيْنَا أَبْصَارَ هَؤُلَاءِ أَيْ : جَعَلْنَا عَلَيْهَا غِشَاوَةً ; فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ هُدًى وَلَا يَنْتَفِعُونَ بِهِ . كَمَا حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ هُدًى ، وَلَا يَنْتَفِعُونَ بِهِ . وَذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي أَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ حِينَ حَلَفَ أَنْ يَقْتُلَهُ أَوْ يَشْدَخَ رَأْسَهُ بِصَخْرَةٍ .
ذِكْرُ الرِّوَايَةِ بِذَلِكَ : حَدَّثَنِي عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى قَالَ : ثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : ثَنَا عُمَارَةُ بْنُ أَبِي حَفْصَةَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ : قَالَ أَبُو جَهْلٍ : لَئِنْ رَأَيْتُ مُحَمَّدًا لَأَفْعَلَنَّ وَلَأَفْعَلَنَّ ، فَأُنْزِلَتْ إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالا . إِلَى قَوْلِهِ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ قَالَ : فَكَانُوا يَقُولُونَ : هَذَا مُحَمَّدٌ ، فَيَقُولُ أَيْنَ هُوَ ، أَيْنَ هُوَ؟ لَا يُبْصِرُهُ . وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ ذَلِكَ : ( فَأَعْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ ) بِالْعَيْنِ بِمَعْنَى : أَعْشَيْنَاهُمْ عَنْهُ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَشَا هُوَ أَنْ يَمْشِيَ بِاللَّيْلِ وَلَا يُبْصِرَ .