الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ "
) ﴿فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴾( 76 ) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : لَا تَسْتَطِيعُ هَذِهِ الْآلِهَةُ نَصْرَهُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِهِمْ سُوءًا ، وَلَا تَدْفَعُ عَنْهُمْ ضُرًّا . وَقَوْلُهُ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ يَقُولُ : وَهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ لِآلِهَتِهِمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ . وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ ( مُحْضَرُونَ ) وَأَيْنَ حُضُورُهُمْ إِيَّاهُمْ .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : عَنَى بِذَلِكَ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ عِنْدَ الْحِسَابِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ قَالَ : عِنْدَ الْحِسَابِ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ فِي الدُّنْيَا يَغْضَبُونَ لَهُمْ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ الْآلِهَةُ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ وَالْمُشْرِكُونَ يَغْضَبُونَ لِلْآلِهَةِ فِي الدُّنْيَا ، وَهِيَ لَا تَسُوقُ إِلَيْهِمْ خَيْرًا ، وَلَا تَدْفَعُ عَنْهُمْ سُوءًا ، إِنَّمَا هِيَ أَصْنَامٌ . وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ قَتَادَةُ أَوْلَى الْقَوْلَيْنِ عِنْدَنَا بِالصَّوَابِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ عِنْدَ الْحِسَابِ تَتَبَرَّأُ مِنْهُمُ الْأَصْنَامُ ، وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَهُ ، فَكَيْفَ يَكُونُونَ لَهَا جُنْدًا حِينَئِذٍ ، وَلَكِنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا لَهُمْ جُنْدٌ يَغْضَبُونَ لَهُمْ ، وَيُقَاتِلُونَ دُونَهُمْ . وَقَوْلُهُ تَعَالَى فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : فَلَا يحْزُنْكَ يَا مُحَمَّدُ قَوْلُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ بِاللَّهِ مِنْ قَوْمِكَ لَكَ : إِنَّكَ شَاعِرٌ ، وَمَا جِئْتَنَا بِهِ شِعْرٌ ، وَلَا تَكْذِيبُهُمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَجُحُودُهُمْ نُبُوَّتَكَ .
وَقَوْلُهُ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : إِنَّا نَعْلَمُ أَنَّ الَّذِي يَدْعُوهُمْ إِلَى قِيلِ ذَلِكَ الْحَسَدُ ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ الَّذِي جِئْتَهُمْ بِهِ لَيْسَ بِشِعْرٍ ، وَلَا يُشْبِهُ الشِّعْرَ ، وَأَنَّكَ لَسْتَ بِكَذَّابٍ ، فَنَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ مِنْ مَعْرِفَتِهِمْ بِحَقِيقَةِ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ، وَمَا يُعْلِنُونَ مِنْ جُحُودِهِمْ ذَلِكَ بِأَلْسِنَتِهِمْ عَلَانِيَةً .