حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تفسير الطبري

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا . . . "

) ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ ( 12 ) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : فَاسْتَفْتِ يَا مُحَمَّدُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِي يُنْكِرُونَ الْبَعْثَ بَعْدَ الْمَمَاتِ وَالنُّشُورَ بَعْدَ الْبَلَاءِ : يَقُولُ : فَسَلْهُمْ : أَهَمُّ أَشَدُّ خَلْقًا ؟ يَقُولُ : أَخَلْقُهُمْ أَشَدُّ أَمْ خَلْقُ مَنْ عَدَدْنَا خَلْقَهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَالشَّيَاطِينِ وَالسَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ؟ وَذُكِرَ أَنَّ ذَلِكَ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ : أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ عَدَدْنَا ؟ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ جَمِيعًا ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا ؟ قَالَ : السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَالْجِبَالُ . حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : ثَنَا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ ، قَالَ : ثَنَا عُبَيْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنِ الضَّحَّاكِ أَنَّهُ قَرَأَ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ عَدَدْنَا ؟ وَفِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَدَدْنَا يَقُولُ : ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ يَقُولُ : أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا ، أَمِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ ؟ يَقُولُ : السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أَشَدُّ خَلْقًا مِنْهُمْ .

حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ عَدَدْنَا مِنْ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ، قَالَ اللَّهُ : لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ . الْآيَةَ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ : ثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا قَالَ : يَعْنِي الْمُشْرِكِينَ ، سَلْهُمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا وَقَوْلُهُ إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ يَقُولُ : إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَاصِقٍ .

وَإِنَّمَا وَصَفَهُ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - بِاللُّزُوبِ ، لِأَنَّهُ تُرَابٌ مَخْلُوطٌ بِمَاءٍ ، وَكَذَلِكَ خُلِقَ ابْنُ آدَمَ مِنْ تُرَابٍ وَمَاءٍ وَنَارٍ وَهَوَاءٍ ، وَالتُّرَابُ إِذَا خُلِطَ بِمَاءٍ صَارَ طِينًا لَازِبًا ، وَالْعَرَبُ تُبَدِّلُ أَحْيَانًا هَذِهِ الْبَاءَ مِيمًا ، فَتَقُولُ : طِينٌ لَازِمٌ ، وَمِنْهُ قَوْلُ النَّجَاشِيِّ الْحَارِثِيِّ : بَنَى اللُّؤْمُ بَيْتًا فَاسْتَقَرَّتْ عِمَادُهُ عَلَيْكُمْ بَنِي النَّجَّارِ ضَرْبَةَ لَازِمِ وَمِنَ اللَّازِبِ قَوْلُ نَابِغَةِ بَنِي ذُبْيَانَ : وَلَا يَحْسَبُونَ الْخَيْرَ لَا شَرَّ بَعْدَهُ وَلَا يَحْسَبُونَ الشَّرَّ ضَرْبَةَ لَازِبِ وَرُبَّمَا أَبْدَلُوا الزَّايَ الَّتِي فِي اللَّازِبِ تَاءً ، فَيَقُولُونَ : طِينٌ لَاتِبٌ ، وَذُكِرَ أَنَّ ذَلِكَ فِي قَيْسٍ زَعَمَ الْفَرَّاءُ أَنَّ أَبَا الْجَرَّاحِ أَنْشَدَهُ : صُدَاعٌ وَتَوْصِيمُ الْعِظَامِ وَفَتْرَةٌ وَغَثْيٌ مَعَ الْإِشْرَاقِ فِي الْجَوْفِ لَاتِبُ بِمَعْنَى : لَازِمٍ ، وَالْفِعْلُ مِنْ لَازِبٍ : لَزِبَ يَلْزُبُ ، لَزْبًا وَلُزُوبًا وَكَذَلِكَ مِنْ لَاتِبٍ : لَتَبَ يَلْتُبُ لُتُوبًا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي مَعْنَى ( لَازِبٍ ) قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ الْجُبَيْرِيُّ قَالَ : ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ قَالَ : ثَنَا مُسْلِمٌ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ مِنْ طِينٍ لازِبٍ قَالَ : هُوَ الطِّينُ الْحُرُّ الْجَيِّدُ اللَّزِجُ .

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ : ثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ ، قَالَا ثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : اللَّازِبُ : الْجَيِّدُ . حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : ثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : ثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَارَةَ ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : اللَّازِبُ : اللَّزِجُ الطَّيِّبُ . حَدَّثَنِي عَلِيٌّ قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فِي قَوْلِهِ مِنْ طِينٍ لازِبٍ يَقُولُ : مُلْتَصِقٌ .

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : ثَنِي أَبِي قَالَ : ثَنِي عَمِّي قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ قَالَ : مِنَ التُّرَابِ وَالْمَاءِ فَيَصِيرُ طِينًا يَلْزَقُ . حَدَّثَنَا هَنَّادٌ قَالَ : ثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، فِي قَوْلِهِ إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ قَالَ : اللَّازِبُ : اللَّزِجُ . حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : ثَنَا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ قَالَ : ثَنَا عُبَيْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنِ الضَّحَّاكِ إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ وَاللَّازِبُ : الطِّينُ الْجَيِّدُ .

حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَالَ اللَّهُ إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ وَاللَّازِبُ : الَّذِي يَلْزَقُ بِالْيَدِ . حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ جَمِيعًا ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، فِي قَوْلِهِ مِنْ طِينٍ لازِبٍ قَالَ : لَازَمَ . حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْآمُلِيُّ قَالَ : ثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ : ثَنَا جُوَيْبِرٌ ، عَنِ الضَّحَّاكِ ، فِي قَوْلِهِ مِنْ طِينٍ لازِبٍ قَالَ : هُوَ اللَّازِقُ .

حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ قَالَ : اللَّازِبُ : الَّذِي يَلْتَصِقُ كَأَنَّهُ غِرَاءٌ ، ذَلِكَ اللَّازِبُ . قَوْلُهُ ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فَى قِرَاءَةِ ذَلِكَ ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ : ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ بِضَمِّ التَّاءِ مِنْ عَجِبْتُ ، بِمَعْنَى : بَلْ عَظُمَ عِنْدِي وَكَبُرَ اتِّخَاذُهُمْ لِي شَرِيكًا ، وَتَكْذِيبُهُمْ تَنْزِيلِي وَهُمْ يَسْخَرُونَ . وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ وَبَعْضُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ ( بَلْ عَجِبْتَ ) بِفَتْحِ التَّاءِ بِمَعْنَى : بَلْ عَجِبْتَ أَنْتَ يَا مُحَمَّدُ وَيَسْخَرُونَ مِنْ هَذَا الْقُرْآنِ .

وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ : إِنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَشْهُورَتَانِ فِي قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ ، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : وَكَيْفَ يَكُونُ مُصِيبًا الْقَارِئُ بِهِمَا مَعَ اخْتِلَافِ مَعْنَيَيْهِمَا ؟ قِيلَ : إِنَّهُمَا وَإِنِ اخْتَلَفَ مَعْنَيَاهُمَا فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ مَعْنَيَيْهِ صَحِيحٌ ، قَدْ عَجِبَ مُحَمَّدٌ مِمَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ مِنَ الْفَضْلِ ، وَسَخِرَ مِنْهُ أَهْلُ الشِّرْكِ بِاللَّهِ ، وَقَدْ عَجِبَ رَبُّنَا مِنْ عَظِيمِ مَا قَالَهُ الْمُشْرِكُونَ فِي اللَّهِ ، وَسَخِرَ الْمُشْرِكُونَ بِمَا قَالُوهُ . فَإِنْ قَالَ : أَكَانَ التَّنْزِيلُ بِإِحْدَاهُمَا أَوْ بِكِلْتَيْهِمَا ؟ قِيلَ : التَّنْزِيلُ بِكِلْتَيْهِمَا .

فَإِنْ قَالَ : وَكَيْفَ يَكُونُ تَنْزِيلُ حَرْفٍ مَرَّتَيْنِ ؟ قِيلَ : إِنَّهُ لَمْ يَنْزِلْ مَرَّتَيْنِ ، إِنَّمَا أُنْزِلَ مَرَّةً ، وَلَكِنَّهُ أَمَرَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَقْرَأَ بِالْقِرَاءَتَيْنِ كِلْتَيْهِمَا ، وَلِهَذَا مَوْضِعٌ سَنَسْتَقْصِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ فِيهِ الْبَيَانَ عَنْهُ بِمَا فِيهِ الْكِفَايَةُ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ قَالَ : عَجِبَ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنْ هَذَا الْقُرْآنِ حِينَ أُعْطِيَهُ ، وَسَخِرَ مِنْهُ أَهْلُ الضَّلَالَةِ .

موقع حَـدِيث