الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ "
) ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ ﴾( 153 ) ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾( 154 ) أَفَلا تَذَكَّرُونَ ( 155 ) ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ ﴾( 156 ) ﴿فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾( 157 ) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - مُوَبِّخًا هَؤُلَاءِ الْقَائِلِينَ : لِلَّهِ الْبَنَاتُ - مِنْ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ : ( أَصْطَفَى ) اللَّهُ أَيُّهَا الْقَوْمُ الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ وَالْعَرَبُ إِذَا وَجَّهُوا الِاسْتِفْهَامَ إِلَى التَّوْبِيخِ أَثْبَتُوا أَلِفَ الِاسْتِفْهَامِ أَحْيَانًا وَطَرَحُوهَا أَحْيَانًا ، كَمَا قِيلَ : ( أَذْهَبْتُمْ ) بِالْقَصْرِ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا يُسْتَفْهَمُ بِهَا ، وَلَا يُسْتَفْهَمُ بِهَا ، وَالْمَعْنَى فِي الْحَالَيْنِ وَاحِدٌ ، وَإِذَا لَمْ يَسْتَفْهِمْ فِي قَوْلِهِ ( أَصْطَفَى الْبَنَاتِ ) ذَهَبَتْ أَلِفُ اصْطَفَى فِي الْوَصْلِ ، وَيُبْتَدَأُ بِهَا بِالْكَسْرِ ، وَإِذَا اسْتَفْهَمَ فَتَحْتَ وَقَطَعْتَ . وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُ قَرَأَ ذَلِكَ بِتَرْكِ الِاسْتِفْهَامِ وَالْوَصْلِ . فَأَمَّا قُرَّاءُ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ ، فَإِنَّهُمْ فِي ذَلِكَ عَلَى قِرَاءَتِهِ بِالِاسْتِفْهَامِ ، وَفَتْحِ أَلِفِهِ فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا ، وَهِيَ الْقِرَاءَةُ الَّتِي نَخْتَارُ لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَيْهَا .
وَقَوْلُهُ ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾ يَقُولُ : بِئْسَ الْحُكْمُ تَحْكُمُونَ أَيُّهَا الْقَوْمُ أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ ، وَأَنْتُمْ لَا تَرْضَوْنَ الْبَنَاتَ لِأَنْفُسِكُمْ ، فَتَجْعَلُونَ لَهُ مَا لَا تَرْضَوْنَهُ لِأَنْفُسِكُمْ ؟ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ ١٥٣ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾ يَقُولُ : كَيْفَ يَجْعَلُ لَكُمُ الْبَنِينَ وَلِنَفْسِهِ الْبَنَاتِ ، ﴿مَا لَكَمَ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾؟ . وَقَوْلُهُ ( أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ) يَقُولُ : أَفَلَا تَتَدَبَّرُونَ مَا تَقُولُونَ ، فَتَعْرِفُوا خَطَأَهُ فَتَنْتَهُوا عَنْ قِيلِهِ ؟ وَقَوْلُهُ ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ ﴾ يَقُولُ : أَلَكُمْ حُجَّةٌ تَبَيَّنَ صِحَّتُهَا لِمَنْ سَمِعَهَا ، بِحَقِيقَةِ مَا تَقُولُونَ ؟ كَمَا حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ ﴾ : أَيْ عُذْرٌ مُبِينٌ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ : ثَنَا أَحْمَدُ قَالَ : ثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ ، فِي قَوْلِهِ ( سُلْطَانٌ مُبِينٌ ) قَالَ حُجَّةٌ . وَقَوْلُهُ ( فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ ) يَقُولُ : فَأْتُوْا بِحُجَّتِكُمْ مِنْ كِتَابٍ جَاءَكُمْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ بِأَنَّ الَّذِي تَقُولُونَ مِنْ أَنَّ لَهُ الْبَنَاتِ وَلَكُمُ الْبَنِينَ كَمَا تَقُولُونَ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ . حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ( فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ ) : أَيْ بِعُذْرِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ : ثَنَا أَحْمَدُ قَالَ : ثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : ( فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ ) أَنَّ هَذَا كَذَا بِأَنَّ لَهُ الْبَنَاتِ وَلَكُمُ الْبَنُونَ . وَقَوْلُهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ يَقُولُ : إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ أَنَّ لَكُمْ بِذَلِكَ حُجَّةً .