الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ "
) ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴾( 159 ) ﴿إِلا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ﴾( 160 ) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَجَعَلَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا . وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى النَّسَبِ الَّذِي أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ جَعَلُوهُ لِلَّهِ تَعَالَى ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : هُوَ أَنَّهُمْ قَالُوا أَعْدَاءُ اللَّهِ : إِنَّ اللَّهَ وَإِبْلِيسَ أَخَوَانِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : ثَنِي أَبِي قَالَ : ثَنِي عَمِّي ، قَالَ ثَنْيَ أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا قَالَ : زَعَمَ أَعْدَاءُ اللَّهِ أَنَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَإِبْلِيسُ أَخَوَانِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ أَنَّهُمْ قَالُوا : الْمَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللَّهِ ، وَقَالُوا : الْجِنَّةُ : هِيَ الْمَلَائِكَةُ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا قَالَ : قَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ : الْمَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللَّهِ ، فَسَأَلَ أَبُو بَكْرٍ : مَنْ أُمَّهَاتُهُنَّ ؟ فَقَالُوا : بَنَاتُ سَرَوَاتِ الْجِنِّ ، يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ خُلِقُوا مِمَّا خُلِقَ مِنْهُ إِبْلِيسُ . حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى بْنُ عِمْرَانَ بْنِ عَفْرَةَ قَالَ : ثَنَا عَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ الْأَبَحُّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، فِي قَوْلِهِ وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا قَالَتِ الْيَهُودُ : إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى تَزَوَّجَ إِلَى الْجِنِّ ، فَخَرَجَ مِنْهُمَا الْمَلَائِكَةُ قَالَ : سُبْحَانَهُ سَبَّحَ نَفْسَهُ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ : ثَنَا أَحْمَدُ قَالَ : ثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ ، فِي قَوْلِهِ وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا قَالَ : الْجِنَّةُ الْمَلَائِكَةُ ، قَالُوا : هُنَّ بَنَاتُ اللَّهِ . حَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ جَمِيعًا ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا : الْمَلَائِكَةُ . حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا قَالَ : بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا افْتَرَوْا .
وَقَوْلُهُ وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى ذَلِكَ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَاهُ : وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُشْهَدُونَ الْحِسَابَ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ جَمِيعًا ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ إِنَّهَا سَتُحْضَرُ الْحِسَابَ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَاهُ : إِنَّ قَائِلِي هَذَا الْقَوْلِ سَيُحْضَرُونَ الْعَذَابَ فِي النَّارِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ : ثَنَا أَحْمَدُ قَالَ : ثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ إِنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَالُوا هَذَا لَمُحْضَرُونَ : لَمُعَذَّبُونَ . وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ : إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ الْعَذَابَ ، لِأَنَّ سَائِرَ الْآيَاتِ الَّتِي ذُكِرَ فِيهَا الْإِحْضَارُ فِي هَذِهِ السُّورَةِ ، إِنَّمَا عُنِيَ بِهِ الْإِحْضَارُ فِي الْعَذَابِ ، فَكَذَلِكَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ . وَقَوْلُهُ ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴾ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - تَنْزِيهًا لِلَّهِ ، وَتَبْرِئَةً لَهُ مِمَّا يُضِيفُ إِلَيْهِ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ بِهِ ، وَيَفْتَرُونَ عَلَيْهِ ، وَيَصِفُونَهُ ، مِنْ أَنَّ لَهُ بَنَاتٍ ، وَأَنَّ لَهُ صَاحِبَةً .
وَقَوْلُهُ ﴿إِلا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ﴾ يَقُولُ : وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ أَنَّ الَّذِينَ قَالُوا : إِنَّ الْمَلَائِكَةَ بَنَاتُ اللَّهِ لَمُحْضَرُونَ الْعَذَابَ ، إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الَّذِينَ أَخْلَصَهُمْ لِرَحْمَتِهِ ، وَخَلَقَهُمْ لِجَنَّتِهِ .