الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا . . . "
) ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ ﴾( 28 ) ﴿كِتَابٌ أَنْـزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ ﴾( 29 ) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا عَبَثًا وَلَهْوًا ، مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا لِيُعْمَلَ فِيهِمَا بِطَاعَتِنَا ، وَيُنْتَهَى إِلَى أَمْرِنَا وَنَهْيِنَا . ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَقُولُ : أَيْ ظَنُّ أَنَّا خَلَقْنَا ذَلِكَ بَاطِلًا وَلَعِبًا ، ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِاللَّهِ فَلَمْ يُوَحِّدُوهُ ، وَلَمْ يَعْرِفُوا عَظَمَتَهُ ، وَأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَعْبَثَ ، فَيَتَيَقَّنُوا بِذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَخْلُقُ شَيْئًا بَاطِلًا . فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ يَعْنِي : مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ .
وَقَوْلُهُ أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ يَقُولُ : أَنَجْعَلُ الَّذِينَ صَدَقُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَعَمِلُوا بِمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ ، وَانْتَهَوْا عَمَّا نَهَاهُمْ عَنْهُ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ يَقُولُ : كَالَّذِينِ يُشْرِكُونَ بِاللَّهِ وَيَعْصُونَهُ وَيُخَالِفُونَ أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ . أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ يَقُولُ : الَّذِينَ اتَّقَوُا اللَّهَ بِطَاعَتِهِ وَرَاقَبُوهُ ، فَحَذِرُوا مَعَاصِيَهُ ( كَالْفُجَّارِ ) يَعْنِي : كَالْكُفَّارِ الْمُنْتَهِكِينَ حُرُمَاتِ اللَّهِ . وَقَوْلُهُ كِتَابٌ أَنْـزَلْنَاهُ إِلَيْكَ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : وَهَذَا الْقُرْآنُ كِتَابٌ أَنْـزَلْنَاهُ إِلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ يَقُولُ : لِيَتَدَبَّرُوا حُجَجَ اللَّهِ الَّتِي فِيهِ ، وَمَا شَرَعَ فِيهِ مِنْ شَرَائِعِهِ ، فَيَتَّعِظُوا وَيَعْمَلُوا بِهِ .
وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ الْقُرَّاءِ : ( لِيَدَّبَّرُوا ) بِالْيَاءِ ، يَعْنِي : لِيَتَدَبَّرَ هَذَا الْقُرْآنَ مَنْ أَرْسَلْنَاكَ إِلَيْهِ مِنْ قَوْمِكَ يَا مُحَمَّدُ . وَقِرَاءَةُ أَبُو جَعْفَرٍ وَعَاصِمٍ لِتَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ بِالتَّاءِ ، بِمَعْنَى : لِتَتَدَبَّرَهُ أَنْتَ يَا مُحَمَّدُ وَأَتْبَاعُكَ . وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ عِنْدَنَا بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ : إِنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَشْهُورَتَانِ صَحِيحَتَا الْمَعْنَى ، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ يَقُولُ : وَلِيَعْتَبِرَ أُولُو الْعُقُولِ وَالْحِجَا مَا فِي هَذَا الْكِتَابِ مِنَ الْآيَاتِ ، فَيَرْتَدِعُوا عَمَّا هُمْ عَلَيْهِ مُقِيمِينَ مِنَ الضَّلَالَةِ ، وَيَنْتَهُوا إِلَى مَا دَلَّهُمْ عَلَيْهِ مِنَ الرَّشَادِ وَسَبِيلِ الصَّوَابِ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ ( أُولُو الْأَلْبَابِ ) قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ : ثَنَا أَحْمَدُ قَالَ : ثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ ( أُولُو الْأَلْبَابِ ) قَالَ : أُولُو الْعُقُولِ مِنَ النَّاسِ ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِيمَا مَضَى قَبْلُ بِشَوَاهِدِهِ ، بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ .