الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ "
) ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ﴾( 35 ) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَلَقَدِ ابْتَلَيْنَا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا شَيْطَانَا مُتَمَثِّلًا بِإِنْسَانٍ ، ذَكَرُوا أَنَّ اسْمَهُ صَخْرٌ . وَقِيلَ : إِنَّ اسْمَهُ آصِفُ . وَقِيلَ : إِنَّ اسْمَهُ آصِرُ .
وَقِيلَ : إِنَّ اسْمَهُ حِبْقِيقُ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي عَلِيٌّ قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا قَالَ : هُوَ صَخْرٌ الْجِنِّيُّ تَمَثَّلَ عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا .
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : ثَنَى أَبِي قَالَ : ثَنِي عَمِّي قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ ﴾ قَالَ : الْجَسَدُ : الشَّيْطَانُ الَّذِي كَانَ دَفَعَ إِلَيْهِ سُلَيْمَانُ خَاتَمَهُ ، فَقَذَفَهُ فِي الْبَحْرِ ، وَكَانَ مُلْكُ سُلَيْمَانَ فِي خَاتَمِهِ ، وَكَانَ اسْمُ الْجِنِّيِّ صَخْرًا . حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ : ثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : ثَنَا مُبَارَكٌ ، عَنِ الْحَسَنِ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا قَالَ : شَيْطَانًا . حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ : ثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا قَالَ : شَيْطَانًا يُقَالُ لَهُ آصِرُ .
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ جَمِيعًا ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلَهُ عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا قَالَ : شَيْطَانًا يُقَالُ لَهُ آصِفُ ، فَقَالَ لَهُ سُلَيْمَانُ : كَيْفَ تَفْتِنُونَ النَّاسَ ؟ قَالَ : أَرِنِي خَاتَمَكَ أُخْبِرْكَ . فَلَمَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ نَبَذَهُ آصِفُ فِي الْبَحْرِ ، فَسَاحَ سُلَيْمَانُ وَذَهَبَ مُلْكُهُ ، وَقَعَدَ آصِفُ عَلَى كُرْسِيِّهِ ، وَمَنَعَهُ اللَّهُ نِسَاءَ سُلَيْمَانَ ، فَلَمْ يَقْرُبْهُنَّ ، وَأَنْكَرْنَهُ قَالَ : فَكَانَ سُلَيْمَانُ يَسْتَطْعِمُ فَيَقُولُ : أَتَعْرِفُونِي أَطْعِمُونِي أَنَا سُلَيْمَانُ ، فَيُكَذِّبُونَهُ ، حَتَّى أَعْطَتْهُ امْرَأَةٌ يَوْمًا حُوتًا يُطَيِّبُ بَطْنَهُ ، فَوَجَدَ خَاتَمَهُ فِي بَطْنِهِ ، فَرَجَعَ إِلَيْهِ مُلْكُهُ ، وَفَرَّ آصِفُ فَدَخَلَ الْبَحْرَ فَارًّا . حَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ بِنَحْوِهِ ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ فِي حَدِيثِهِ : فَيَقُولُ : لَوْ تَعْرِفُونِي أَطْعَمْتُمُونِي .
حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ ﴾ قَالَ : حَدَّثَنَا قَتَادَةُ أَنَّ سَلَيْمَانَ أَمَرَ بِبِنَاءِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، فَقِيلَ لَهُ : ابْنِهِ ، وَلَا يُسْمَعُ فِيهِ صَوْتُ حَدِيدٍ قَالَ : فَطَلَبَ ذَلِكَ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ ، فَقِيلَ لَهُ : إِنَّ شَيْطَانًا فِي الْبَحْرِ يُقَالُ لَهُ صَخْرٌ شِبْهُ الْمَارِدِ قَالَ : فَطَلَبَهُ ، وَكَانَتْ عَيْنٌ فِي الْبَحْرِ يَرِدُهَا فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ مَرَّةً ، فَنُزِحَ مَاؤُهَا وَجُعِلَ فِيهَا خَمْرٌ ، فَجَاءَ يَوْمَ وُرُودِهِ فَإِذَا هُوَ بِالْخَمْرِ ، فَقَالَ : إِنَّكِ لَشَرَابٌ طَيِّبٌ ، إِلَّا أَنَّكِ تَصِبِينَ الْحَلِيمَ ، وَتَزِيدِينَ الْجَاهِلَ جَهْلًا قَالَ : ثُمَّ رَجَعَ حَتَّى عَطِشَ عَطَشًا شَدِيدًا ، ثُمَّ أَتَاهَا فَقَالَ : إِنَّكِ لَشَرَابٌ طَيِّبٌ ، إِلَّا أَنَّكِ تُصْبِينَ الْحَلِيمَ ، وَتَزِيدِينَ الْجَاهِلَ جَهْلًا قَالَ : ثُمَّ شَرِبَهَا حَتَّى غَلَبَتْ عَلَى عَقْلِهِ قَالَ : فَأُرِيَ الْخَاتَمَ أَوْ خُتِمَ بِهِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ ، فَذَلَّ قَالَ : فَكَانَ مُلْكُهُ فِي خَاتَمِهِ ، فَأَتَى بِهِ سُلَيْمَانُ ، فَقَالَ : إِنَّا قَدْ أُمِرْنَا بِبِنَاءِ هَذَا الْبَيْتِ . وَقِيلَ لَنَا : لَا يُسْمَعَنَّ فِيهِ صَوْتُ حَدِيدٍ قَالَ : فَأَتَى بِبَيْضِ الْهُدْهُدِ ، فَجَعَلَ عَلَيْهِ زُجَاجَةً ، فَجَاءَ الْهُدْهُدُ ، فَدَارَ حَوْلَهَا ، فَجَعَلَ يَرَى بَيْضَهُ وَلَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ ، فَذَهَبَ فَجَاءَ بِالْمَاسِ ، فَوَضَعَهُ عَلَيْهِ ، فَقَطَعَهَا بِهِ حَتَّى أَفْضَى إِلَى بَيْضِهِ ، فَأَخَذَ الْمَاسَ ، فَجَعَلُوا يَقْطَعُونَ بِهِ الْحِجَارَةَ ، فَكَانَ سُلَيْمَانُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ الْخَلَاءَ أَوِ الْحَمَّامَ لَمْ يَدْخُلْهَا بِخَاتَمِهِ ، فَانْطَلَقَ يَوْمًا إِلَى الْحَمَّامِ ، وَذَلِكَ الشَّيْطَانُ صَخْرٌ مَعَهُ ، وَذَلِكَ عِنْدَ مُقَارَفَةِ ذَنْبٍ قَارَفَ فِيهِ بَعْضَ نِسَائِهِ قَالَ : فَدَخَلَ الْحَمَّامَ ، وَأَعْطَى الشَّيْطَانَ خَاتَمَهُ ، فَأَلْقَاهُ فِي الْبَحْرِ ، فَالْتَقَمَتْهُ سَمَكَةٌ ، وَنُزِعَ مُلْكُ سُلَيْمَانَ مِنْهُ ، وَأُلْقِي عَلَى الشَّيْطَانِ شِبْهُ سُلَيْمَانَ قَالَ : فَجَاءَ فَقَعَدَ عَلَى كُرْسِيِّهِ وَسَرِيرِهِ ، وَسُلِّطَ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ كُلِّهِ غَيْرَ نِسَائِهِ قَالَ : فَجَعَلَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ ، وَجَعَلُوا يُنْكِرُونَ مِنْهُ أَشْيَاءَ حَتَّى قَالُوا : لَقَدْ فُتِنَ نَبِيُّ اللَّهِ ، وَكَانَ فِيهِمْ رَجُلٌ يُشَبِّهُونَهُ بِعُمَرَ بْنِ الْخُطَّابِ فِي الْقُوَّةِ ، فَقَالَ : وَاللَّهِ لِأُجَرِّبَنَّهُ قَالَ : فَقَالَ لَهُ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، وَهُوَ لَا يَرَى إِلَّا أَنَّهُ نَبِيُّ اللَّهِ ، أَحَدُنَا تُصِيبُهُ الْجَنَابَةُ فِي اللَّيْلَةِ الْبَارِدَةِ ، فَيَدَعُ الْغُسْلَ عَمْدًا حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ ، أَتَرَى عَلَيْهِ بَأْسًا ؟ قَالَ : لَا قَالَ : فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً حَتَّى وَجَدَ نَبِيُّ اللَّهِ خَاتَمَهُ فِي بَطْنِ سَمَكَةٍ ، فَأَقْبَلَ فَجَعَلَ لَا يَسْتَقْبِلُهُ جِنِّيٌّ وَلَا طَيْرٌ إِلَّا سَجَدَ لَهُ ، حَتَّى انْتَهَى إِلَيْهِمْ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا قَالَ : هُوَ الشَّيْطَانُ صَخْرٌ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : ثَنَا أَحْمَدُ قَالَ : ثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ فِي قَوْلِهِ وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ قَالَ : لَقَدِ ابْتَلَيْنَا وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا قَالَ : الشَّيْطَانُ حِينَ جَلَسَ عَلَى كُرْسِيِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا قَالَ : كَانَ لِسُلَيْمَانَ مِائَةُ امْرَأَةٍ ، وَكَانَتِ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ يُقَالُ لَهَا جَرَادَةُ ، وَهِيَ آثَرُ نِسَائِهِ عِنْدَهُ ، وَآمَنُهُنَّ عِنْدَهُ ، وَكَانَ إِذَا أَجْنَبَ أَوْ أَتَى حَاجَةً نَزَعَ خَاتَمَهُ ، وَلَمْ يَأْتَمِنْ عَلَيْهِ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ غَيْرَهَا ، فَجَاءَتْهُ يَوْمًا مِنَ الْأَيَّامِ ، فَقَالَتْ : إِنَّ أَخِي بَيْنِهِ وَبَيْنَ فُلَانٍ خُصُومَةٌ ، وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ تَقْضِيَ لَهُ إِذَا جَاءَكَ ، فَقَالَ لَهَا : نَعَمْ ، وَلَمْ يَفْعَلْ ، فَابْتُلِيَ وَأَعْطَاهَا خَاتَمَهُ ، وَدَخَلَ الْمَخْرَجَ ، فَخَرَجَ الشَّيْطَانُ فِي صُورَتِهِ ، فَقَالَ لَهَا : هَاتِي الْخَاتَمَ ، فَأَعْطَتْهُ ، فَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ عَلَى مَجْلِسِ سُلَيْمَانَ ، وَخَرَجَ سُلَيْمَانُ بَعْدُ ، فَسَأَلَهَا أَنْ تُعْطِيَهُ خَاتَمَهُ ، فَقَالَتْ : أَلَمْ تَأْخُذْهُ قَبْلُ ؟ قَالَ : لَا وَخَرَجَ مَكَانَهُ تَائِهًا قَالَ : وَمَكَثَ الشَّيْطَانُ يَحْكُمُ بَيْنَ النَّاسِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا .
قَالَ : فَأَنْكَرَ النَّاسُ أَحْكَامَهُ ، فَاجْتَمَعَ قُرَّاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَعُلَمَاؤُهُمْ ، فَجَاءُوا حَتَّى دَخَلُوا عَلَى نِسَائِهِ ، فَقَالُوا : إِنَّا قَدْ أَنْكَرْنَا هَذَا ، فَإِنْ كَانَ سُلَيْمَانُ فَقَدْ ذَهَبَ عَقْلُهُ ، وَأَنْكَرْنَا أَحْكَامَهُ . قَالَ : فَبَكَى النِّسَاءُ عِنْدَ ذَلِكَ قَالَ : فَأَقْبَلُوا يَمْشُونَ حَتَّى أَتَوْهُ ، فَأَحْدَقُوا بِهِ ، ثُمَّ نَشَرُوا التَّوْرَاةَ ، فَقَرَءُوا قَالَ : فَطَارَ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ حَتَّى وَقَعَ عَلَى شُرْفَةٍ وَالْخَاتَمُ مَعَهُ ، ثُمَّ طَارَ حَتَّى ذَهَبَ إِلَى الْبَحْرِ ، فَوَقَعَ الْخَاتَمُ مِنْهُ فِي الْبَحْرِ ، فَابْتَلَعَهُ حُوتٌ مِنْ حِيتَانِ الْبَحْرِ . قَالَ : وَأَقْبَلَ سُلَيْمَانُ فِي حَالِهِ الَّتِي كَانَ فِيهَا حَتَّى انْتَهَى إِلَى صَيَّادٍ مِنْ صَيَّادِي الْبَحْرِ وَهُوَ جَائِعٌ ، وَقَدِ اشْتَدَّ جُوعُهُ ، فَاسْتَطْعَمَهُمْ مِنْ صَيْدِهِمْ قَالَ : إِنِّي أَنَا سُلَيْمَانُ ، فَقَامَ إِلَيْهِ بَعْضُهُمْ فَضَرَبَهُ بِعَصًا فَشَجَّهُ ، فَجَعْلَ يَغْسِلُ دَمَهُ وَهُوَ عَلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ ، فَلَامَ الصَّيَّادُونَ صَاحِبَهُمُ الَّذِي ضَرَبَهُ ، فَقَالُوا : بِئْسَ مَا صَنَعْتَ حَيْثُ ضَرَبْتَهُ قَالَ : إِنَّهُ زَعَمَ أَنَّهُ سُلَيْمَانُ قَالَ : فَأَعْطَوْهُ سَمَكَتَيْنِ مِمَّا قَدْ مَذِرَ عِنْدَهُمْ ، وَلَمْ يَشْغَلْهُ مَا كَانَ بِهِ مِنَ الضَّرَرِ ، حَتَّى قَامَ إِلَى شَطِّ الْبَحْرِ ، فَشَقَّ بُطُونَهُمَا ، فَجَعَلَ يَغْسِلُ .
، فَوَجَدَ خَاتَمَهُ فِي بَطْنِ إِحْدَاهُمَا ، فَأَخَذَهُ فَلَبِسَهُ ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بَهَاءَهُ وَمُلْكَهُ ، وَجَاءَتِ الطَّيْرُ حَتَّى حَامَتْ عَلَيْهِ ، فَعَرَفَ الْقَوْمُ أَنَّهُ سُلَيْمَانُ ، فَقَامَ الْقَوْمُ يَعْتَذِرُونَ مِمَّا صَنَعُوا ، فَقَالَ : مَا أَحْمِدُكُمْ عَلَى عُذْرِكُمْ ، وَلَا أَلُومُكُمْ عَلَى مَا كَانَ مِنْكُمْ ، كَانَ هَذَا الْأَمْرُ لَا بُدَّ مِنْهُ قَالَ : فَجَاءَ حَتَّى أَتَى مُلْكَهُ ، فَأَرْسَلَ إِلَى الشَّيْطَانِ فَجِيءَ بِهِ ، وَسُخِّرَ لَهُ الرِّيحُ وَالشَّيَاطِينُ يَوْمَئِذٍ ، وَلَمْ تَكُنْ سُخِّرَتْ لَهُ قَبْلَ ذَلِكَ ، وَهُوَ قَوْلُهُ وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ قَالَ : وَبَعَثَ إِلَى الشَّيْطَانِ ، فَأُتِيَ بِهِ ، فَأَمَرَ بِهِ فَجَعَلَ فِي صُنْدُوقٍ مِنْ حَدِيدٍ ، ثُمَّ أَطْبَقَ عَلَيْهِ فَأَقْفَلَ عَلَيْهِ بِقُفْلٍ ، وَخَتَمَ عَلَيْهِ بِخَاتَمِهِ ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ ، فَأُلْقِي فِي الْبَحْرِ ، فَهُوَ فِيهِ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ ، وَكَانَ اسْمُهُ حِبْقِيقُ . وَقَوْلُهُ ( ثُمَّ أَنَابَ ) سُلَيْمَانُ ، فَرَجَعَ إِلَى مُلْكِهِ مِنْ بَعْدِ مَا زَالَ عَنْهُ مُلْكُهُ فَذَهَبَ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حُدِّثْتُ عَنِ الْمُحَارِبِيِّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ جُوَيْبِرٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ فِي قَوْلِهِ ( ثُمَّ أَنَابَ ) قَالَ : دَخَلَ سُلَيْمَانُ عَلَى امْرَأَةٍ تَبِيعُ السَّمَكَ ، فَاشْتَرَى مِنْهَا سَمَكَةً ، فَشَقَّ بَطْنَهَا ، فَوَجَدَ خَاتَمَهُ ، فَجَعَلَ لَا يَمُرُّ عَلَى شَجَرٍ وَلَا حَجَرٍ وَلَا شَيْءٍ إِلَّا سَجَدَ لَهُ ، حَتَّى أَتَى مُلْكَهُ وَأَهْلَهُ ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ ، ( ثُمَّ أَنَابَ ) يَقُولُ : ثُمَّ رَجَعَ . حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ( ثُمَّ أَنَابَ ) وَأَقْبَلَ ، يَعْنِي سُلَيْمَانَ . قَوْلُهُ قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : قَالَ سُلَيْمَانُ رَاغِبًا إِلَى رَبِّهِ : رَبِّ اسْتُرْ عَلَيَّ ذَنْبِي الَّذِي أَذْنَبْتُ بَيْنِي وَبَيْنَكَ ، فَلَا تُعَاقِبْنِي بِهِ وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي لَا يَسْلُبُنِيهِ أَحَدٌ كَمَا سَلَبَنِيهِ قَبْلَ هَذِهِ الشَّيْطَانُ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي يَقُولُ : مُلْكًا لَا أُسْلَبُهُ كَمَا سُلِبْتُهُ . وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ يُوَجِّهُ مَعْنَى قَوْلِهِ لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِلَى : أَنْ لَا يَكُونُ لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي ، كَمَا قَالَ ابْنُ أَحْمَرَ : مَا أُمُّ غُفْرٍ عَلَى دَعْجَاءَ ذِي عَلَقٍ يَنْفِي الْقَرَامِيدَ عَنْهَا الْأَعْصَمُ الْوَقِلُ فِي رَأْسِ حَلْقَاءَ مِنْ عَنْقَاءَ مُشْرِفَةً لَا يَنْبَغِي دُونَهَا سَهْلٌ وَلَا جَبَلُ بِمَعْنَى : لَا يَكُونُ فَوْقَهَا سَهْلٌ وَلَا جَبَلٌ أَحْصَنُ مِنْهَا .
وَقَوْلُهُ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ يَقُولُ : إِنَّكَ وَهَّابٌ مَا تَشَاءُ لِمَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ خَزَائِنُ كُلِّ شَيْءٍ تَفْتَحُ مِنْ ذَلِكَ مَا أَرَدْتَ لِمَنْ أَرَدْتَ .