الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ "
) ﴿إِنَّا أَنْـزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ ﴾( 2 ) أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ( 3 ) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : ( تَنْزِيلُ الْكِتَابِ ) الَّذِي نَزَّلْنَاهُ عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ ( مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ ) فِي انْتِقَامِهِ مِنْ أَعْدَائِهِ ( الْحَكِيمِ ) فِي تَدْبِيرِهِ خَلْقَهُ ، لَا مِنْ غَيْرِهِ ، فَلَا تَكُونَنَّ فِي شَكٍّ مِنْ ذَلِكَ ، وَرُفِعَ قَوْلُهُ : ( تَنْزِيلُ ) بِقَوْلِهِ : ( مِنَ اللَّهِ ) وَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ : مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ تَنْزِيلُ الْكِتَابِ . وَجَائِزٌ رَفْعُهُ بِإِضْمَارِ هَذَا ، كَمَا قِيلَ : ( سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا ) غَيْرَ أَنَّ الرَّفْعَ فِي قَوْلِهِ : ( تَنْزِيلُ الْكِتَابِ ) بِمَا بَعْدَهُ ، أَحْسَنُ مِنْ رَفْعِ سُورَةٍ بِمَا بَعْدَهَا ، لِأَنَّ تَنْزِيلَ ، وَإِنْ كَانَ فِعْلًا فَإِنَّهُ إِلَى الْمَعْرِفَةِ أَقْرَبُ ، إِذْ كَانَ مُضَافًا إِلَى مَعْرِفَةٍ ، فَحَسُنَ رَفْعُهُ بِمَا بَعْدَهُ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِالْحَسَنِ فِي سُورَةٍ ، لِأَنَّهُ نَكِرَةٌ . وَقَوْلُهُ : إِنَّا أَنْـزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ الْكِتَابَ ، يَعْنِي بِالْكِتَابِ : الْقُرْآنَ ( بِالْحَقِّ ) يَعْنِي بِالْعَدْلِ ، يَقُولُ : أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ يَأْمُرُ بِالْحَقِّ وَالْعَدْلِ ، وَمِنْ ذَلِكَ الْحَقِّ وَالْعَدْلِ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ ، لِأَنَّ الدِّينَ لَهُ لَا لِلْأَوْثَانِ الَّتِي لَا تَمْلِكُ ضُرًّا وَلَا نَفْعًا .
، وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ : ( الْكِتَابِ ) قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ إِنَّا أَنْـزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ يَعْنِي : الْقُرْآنَ . وَقَوْلُهُ : فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : فَاخْشَعْ لِلَّهِ يَا مُحَمَّدُ بِالطَّاعَةِ ، وَأَخْلِصْ لَهُ الْأُلُوهَةَ ، وَأَفْرِدْهُ بِالْعِبَادَةِ ، وَلَا تَجْعَلْ لَهُ فِي عِبَادَتِكَ إِيَّاهُ شَرِيكًا ، كَمَا فَعَلَتْ عَبَدَةُ الْأَوْثَانِ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : ثَنَا يَعْقُوبُ ، عَنْ حَفْصٍ ، عَنْ شِمْرٍ قَالَ : يُؤْتَى بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِلْحِسَابِ وَفِي صَحِيفَتِهِ أَمْثَالُ الْجِبَالِ مِنَ الْحَسَنَاتِ ، فَيَقُولُ رَبُّ الْعِزَّةِ جَلَّ وَعَزَّ : صَلَّيْتَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا ؛ لِيُقَالَ : صَلَّى فُلَانٌ! أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا ، لِيَ الدِّينُ الْخَالِصُ . صُمْتَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا ، لِيُقَالَ : صَامَ فُلَانٌ! أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا لِيَ الدِّينُ الْخَالِصُ ، تَصَدَّقْتَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا ، لِيُقَالَ : تَصَدَّقَ فُلَانٌ! أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا لِيَ الدِّينُ الْخَالِصُ ، فَمَا يَزَالُ يَمْحُو شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ حَتَّى تَبْقَى صَحِيفَتُهُ مَا فِيهَا شَيْءٌ ، فَيَقُولُ مَلَكَاهُ : يَا فُلَانُ ، أَلِغَيْرِ اللَّهِ كُنْتَ تَعْمَلُ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ : ثَنَا أَحْمَدُ قَالَ : ثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ أَمَّا قَوْلُهُ : مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ فَالتَّوْحِيدُ ، وَالدِّينُ مَنْصُوبٌ بِوُقُوعِ مُخْلِصًا عَلَيْهِ . وَقَوْلُهُ : أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : أَلَّا لِلَّهِ الْعِبَادَةُ وَالطَّاعَةُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، خَالِصَةً لَا شِرْكَ لِأَحَدٍ مَعَهُ فِيهَا ، فَلَا يَنْبَغِي ذَلِكَ لِأَحَدٍ ، لِأَنَّ كُلَّ مَا دُونَهُ مِلْكُهُ ، وَعَلَى الْمَمْلُوكِ طَاعَةُ مَالِكِهِ لَا مَنْ لَا يَمْلِكُ مِنْهُ شَيْئًا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ . وَقَوْلُهُ : وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ يَتَوَلَّوْنَهُمْ ، وَيَعْبُدُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ ، يَقُولُونَ لَهُمْ : مَا نَعْبُدُكُمْ أَيُّهَا الْآلِهَةُ إِلَّا لِتُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ، قُرْبَةً وَمَنْزِلَةً ، وَتَشْفَعُوا لَنَا عِنْدَهُ فِي حَاجَاتِنَا ، وَهِيَ فِيمَا ذُكِرَ فِي قِرَاءَةِ أُبَيٍّ : مَا نَعْبُدُكُمْ ، وَفِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ : ( قَالُوا مَا نَعْبُدُهُمْ ) وَإِنَّمَا حَسُنَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْحِكَايَةَ إِذَا كَانَتْ بِالْقَوْلِ مُضْمَرًا كَانَ أَوْ ظَاهِرًا ، جُعِلَ الْغَائِبُ أَحْيَانًا كَالْمُخَاطَبِ ، وَيُتْرَكُ أُخْرَى كَالْغَائِبِ ، وَقَدْ بَيَّنْتُ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ فِيمَا مَضَى . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ : ثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ قَالَ : هِيَ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ : قَالُوا مَا نَعْبُدُهُمْ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ جَمِيعًا ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى قَالَ : قُرَيْشٌ تَقُولُهُ لِلْأَوْثَانِ ، وَمَنْ قَبْلِهِمْ يَقُولُهُ لِلْمَلَائِكَةِ وَلِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَلِعُزَيْرٍ . حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى قَالُوا : مَا نَعْبُدُ هَؤُلَاءِ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا ، إِلَّا لِيَشْفَعُوا لَنَا عِنْدَ اللَّهِ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ : ثَنَا أَحْمَدُ قَالَ : ثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ فِي قَوْلِهِ : مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى قَالَ : هِيَ مَنْزِلَةٌ . حَدَّثَنِي عَلِيٌّ قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ : ثَنَا مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى . وَقَوْلُهُ : وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا يَقُولُ سُبْحَانَهُ : لَوْ شِئْتُ لَجَمَعْتُهُمْ عَلَى الْهُدَى أَجْمَعِينَ .
حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى قَالَ : قَالُوا هُمْ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ ، وَهُمُ الَّذِينَ يُقَرِّبُونَنَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِلْأَوْثَانِ ، وَالزُّلْفَى : الْقُرْبُ . وَقَوْلُهُ : إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَ هَؤُلَاءِ الْأَحْزَابِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا فِي الدُّنْيَا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فِيمَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ فِي الدُّنْيَا مِنْ عِبَادَتِهِمْ مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ فِيهَا ، بِأَنْ يُصْلِيَهُمْ جَمِيعًا جَهَنَّمَ ، إِلَّا مَنْ أَخْلَصَ الدِّينَ لِلَّهِ ، فَوَحَّدَهُ ، وَلَمْ يُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا .