الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ . . . "
) اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ : ( أَمَّنْ ) فَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ الْمَكِّيِّينَ وَبَعْضُ الْمَدَنِيِّينَ وَعَامَّةُ الْكُوفِيِّينَ : أَمَنْ بِتَخْفِيفِ الْمِيمِ ، وَلِقِرَاءَتِهِمْ ذَلِكَ كَذَلِكَ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ الْأَلِفُ فِي أَمَنْ بِمَعْنَى الدُّعَاءِ ، يُرَادُ بِهَا : يَا مَنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ ، وَالْعَرَبُ تُنَادِي بِالْأَلِفِ كَمَا تُنَادِي بِيَا ، فَتَقُولُ : أَزَيْدُ أَقْبِلْ ، وَيَا زَيْدُ أَقْبِلْ ، وَمِنْهُ قَوْلُ أَوْسِ بْنِ حَجَرٍ : أَبَنِي لُبَيْنَى لَسْتُمْ بِيَدٍ إِلَّا يَدٌ لَيْسَتْ لَهَا عَضُدُ وَإِذَا وَجَّهْتَ الْأَلِفَ إِلَى النِّدَاءِ كَانَ مَعْنَى الْكَلَامِ : قُلْ تَمَتَّعْ أَيُّهَا الْكَافِرُ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ ، وَيَا مَنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا إِنَّكَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ . وَيَكُونُ فِي النَّارِ عَمَّا لِلْفَرِيقِ الْكَافِرِ عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْجَزَاءِ فِي الْآخِرَةِ - الْكِفَايَةُ عَنْ بَيَانِ مَا لِلْفَرِيقِ الْمُؤْمِنِ ، إِذْ كَانَ مَعْلُومًا اخْتِلَافُ أَحْوَالِهِمَا فِي الدُّنْيَا ، وَمَعْقُولًا أَنَّ أَحَدَهُمَا إِذَا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ لِكُفْرِهِ بِرَبِّهِ أَنَّ الْآخَرَ مِنْ أَصْحَابِ الْجَنَّةِ ، فَحَذَفَ الْخَبَرَ عَمَّا لَهُ ، اكْتِفَاءً بِفَهْمِ السَّامِعِ الْمُرَادَ مِنْهُ مِنْ ذِكْرِهِ ، إِذْ كَانَ قَدْ دَلَّ عَلَى الْمَحْذُوفِ بِالْمَذْكُورِ . وَالثَّانِي : أَنْ تَكُونَ الْأَلِفُ الَّتِي فِي قَوْلِهِ : أَمَنْ أَلِفُ اسْتِفْهَامٍ ، فَيَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ : أَهَذَا كَالَّذِي جَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ ، ثُمَّ اكْتَفَى بِمَا قَدْ سَبَقَ مِنْ خَبَرِ اللَّهِ عَنْ فَرِيقِ الْكَفْرِ بِهِ مِنْ أَعْدَائِهِ ، إِذْ كَانَ مَفْهُومًا الْمُرَادُ بِالْكَلَامِ ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : فَأُقْسِمُ لَوْ شَيْءٌ أَتَانَا رَسُولُهُ سِوَاكَ وَلَكِنْ لَمْ نَجِدْ لَكَ مَدْفَعًا فَحَذَفَ لَدَفَعْنَاهُ وَهُوَ مُرَادٌ فِي الْكَلَامِ إِذْ كَانَ مَفْهُومًا عِنْدَ السَّامِعِ مُرَادُهُ .
وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ وَبَعْضُ أَهْلِ الْكُوفَةِ : ( أَمَّنْ ) بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ ، بِمَعْنَى : أَمْ مَنْ هُوَ ؟ وَيَقُولُونَ : إِنَّمَا هِيَ ( أَمَّنْ ) اسْتِفْهَامٌ اعْتُرِضَ فِي الْكَلَامِ بَعْدَ كَلَامٍ قَدْ مَضَى ، فَجَاءَ بِأَمْ ، فَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ جَوَابُ الِاسْتِفْهَامِ مَتْرُوكًا مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ قَدْ جَرَى الْخَبَرُ عَنْ فَرِيقِ الْكَفْرِ ، وَمَا أَعَدَّ لَهُ فِي الْآخِرَةِ ، ثُمَّ أَتْبَعَ الْخَبَرَ عَنْ فَرِيقِ الْإِيمَانِ ، فَعُلِمَ بِذَلِكَ الْمُرَادُ ، فَاسْتُغْنِيَ بِمَعْرِفَةِ السَّامِعِ بِمَعْنَاهُ مِنْ ذِكْرِهِ ، إِذْ كَانَ مَعْقُولًا أَنَّ مَعْنَاهُ : هَذَا أَفْضَلُ أَمْ هَذَا ؟ وَالْقَوْلُ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ قَرَأَ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ عُلَمَاءُ مِنَ الْقُرَّاءِ مَعَ صِحَّةِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا فِي التَّأْوِيلِ وَالْإِعْرَابِ ، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ . وَقَدْ ذَكَرْنَا اخْتِلَافَ الْمُخْتَلِفِينَ ، وَالصَّوَابَ مِنَ الْقَوْلِ عِنْدَنَا فِيمَا مَضَى قَبْلُ فِي مَعْنَى الْقَانِتِ ، بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، غَيْرَ أَنَّا نَذْكُرُ بَعْضَ أَقْوَالِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ فِي ذَلِكَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، لِيَعْلَمَ النَّاظِرُ فِي الْكِتَابِ اتِّفَاقَ مَعْنَى ذَلِكَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَغَيْرِهِ ، فَكَانَ بَعْضُهُمْ يَقُولُ : هُوَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ قِرَاءَةُ الْقَارِئِ قَائِمًا فِي الصَّلَاةِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى قَالَ : ثَنَا يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ : أَخْبَرَنِي نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا سُئِلَ عَنِ الْقُنُوتِ قَالَ : لَا أَعْلَمُ الْقُنُوتَ إِلَّا قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ وَطُولَ الْقِيَامِ ، وَقَرَأَ : أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ الطَّاعَةُ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : ثَنِي أَبِي قَالَ : ثَنِي عَمِّي قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : ( أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ ) يَعْنِي بِالْقُنُوتِ : الطَّاعَةَ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ : ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ . إِلَى كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ قَالَ : مُطِيعُونَ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ : ثَنَا أَحْمَدُ قَالَ : ثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ فِي قَوْلِهِ : أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا قَالَ : الْقَانِتُ : الْمُطِيعُ .
وَقَوْلُهُ : ( آنَاءَ اللَّيْلِ ) يَعْنِي : سَاعَاتِ اللَّيْلِ . كَمَا حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ أَوَّلُهُ ، وَأَوْسَطُهُ ، وَآخِرُهُ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : ثَنَا أَحْمَدُ قَالَ : ثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ ( آنَاءَ اللَّيْلِ ) قَالَ : سَاعَاتُ اللَّيْلِ .
وَقَدْ مَضَى بَيَانُنَا عَنْ مَعْنَى الْآنَاءِ بِشَوَاهِدِهِ ، وَحِكَايَةُ أَقْوَالِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ فِيهَا بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ . وَقَوْلُهُ : ( سَاجِدًا وَقَائِمًا ) يَقُولُ : يَقْنُتُ سَاجِدًا أَحْيَانًا ، وَأَحْيَانًا قَائِمًا ، يَعْنِي : يُطِيعُ ، وَالْقُنُوتُ عِنْدَنَا الطَّاعَةُ ، وَلِذَلِكَ نَصَبَ قَوْلَهُ : ( سَاجِدًا وَقَائِمًا ) لِأَنَّ مَعْنَاهُ : أَمَّنْ هُوَ يَقْنُتُ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا طَوْرًا ، وَقَائِمًا طَوْرًا ، فَهُمَا حَالٌ مِنْ قَانِتٍ . وَقَوْلُهُ : ( يَحْذَرُ الْآخِرَةَ ) يَقُولُ : يَحْذَرُ عَذَابَ الْآخِرَةِ .
كَمَا حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ الْأَزْدِيُّ . قَالَ : ثَنَا يَحْيَى بْنُ الْيَمَانِ ، عَنْ أَشْعَثَ ، عَنْ جَعْفَرٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : يَحْذَرُ الآخِرَةَ قَالَ : يَحْذَرُ عِقَابَ الْآخِرَةِ ، وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ ، يَقُولُ : وَيَرْجُو أَنْ يَرْحَمَهُ اللَّهُ فَيُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ . وَقَوْلُهُ : قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِقَوْمِكَ : هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ مَا لَهُمْ فِي طَاعَتِهِمْ لِرَبِّهِمْ مِنَ الثَّوَابِ ، وَمَا عَلَيْهِمْ فِي مَعْصِيَتِهِمْ إِيَّاهُ مِنَ التَّبِعَاتِ ، وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ ، فَهُمْ يَخْبِطُونَ فِي عَشْوَاءَ ، لَا يَرْجُونَ بِحُسْنِ أَعْمَالِهِمْ خَيْرًا ، وَلَا يَخَافُونَ بِسَيِّئِهَا شَرًّا ؟ يَقُولُ : مَا هَذَانِ بِمُتَسَاوِيَيْنِ .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ فِي ذَلِكَ مَا حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ قَالَ : ثَنِي نَصْرُ بْنُ مُزَاحِمٍ قَالَ : ثَنَا سُفْيَانُ الْجَرِيرِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي مُجَاهِدٍ عَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ قَالَ : نَحْنُ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ ، وَعَدُوُّنَا الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ . وَقَوْلُهُ : إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : إِنَّمَا يَعْتَبِرُ حُجَجَ اللَّهِ ، فَيَتَّعِظُ ، وَيَتَفَكَّرُ فِيهَا ، وَيَتَدَبَّرُهَا - أَهْلُ الْعُقُولِ وَالْحِجَا ، لَا أَهْلَ الْجَهْلِ وَالنَّقْصِ فِي الْعُقُولِ .