الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ . . . "
) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ بَلَاءٌ فِي جَسَدِهِ مِنْ مَرَضٍ ، أَوْ عَاهَةٍ ، أَوْ شِدَّةٍ فِي مَعِيشَتِهِ ، وَجُهْدٌ وَضِيقٌ ( دَعَا رَبَّهُ ) يَقُولُ : اسْتَغَاثَ بِرَبِّهِ الَّذِي خَلَقَهُ مِنْ شِدَّةِ ذَلِكَ ، وَرَغِبَ إِلَيْهِ فِي كَشْفِ مَا نَزَلَ بِهِ مِنْ شِدَّةِ ذَلِكَ . وَقَوْلُهُ : ( مُنِيبًا إِلَيْهِ ) يَقُولُ : تَائِبًا إِلَيْهِ مِمَّا كَانَ مِنْ قَبْلِ ذَلِكَ عَلَيْهِ مِنَ الْكُفْرِ بِهِ ، وَإِشْرَاكِ الْآلِهَةِ وَالْأَوْثَانِ بِهِ فِي عِبَادَتِهِ - رَاجِعًا إِلَى طَاعَتِهِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ ضُرٌّ قَالَ : الْوَجَعُ وَالْبَلَاءُ وَالشِّدَّةُ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ قَالَ : مُسْتَغِيثًا بِهِ . وَقَوْلُهُ : ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : ثُمَّ إِذَا مَنَحَهُ رَبُّهُ نِعْمَةً مِنْهُ ، يَعْنِي عَافِيَةً ، فَكَشَفَ عَنْهُ ضُرَّهُ ، وَأَبْدَلَهُ بِالسَّقَمِ صِحَّةً ، وَبِالشِّدَّةِ رَخَاءً . وَالْعَرَبُ تَقُولُ لِكُلِّ مَنْ أَعْطَى غَيْرَهُ مِنْ مَالٍ أَوْ غَيْرِهِ : قَدْ خَوَّلَهُ ، وَمِنْهُ قَوْلُ أَبِي النَّجْمِ الْعِجْلِيِّ : أَعْطَى فَلَمْ يَبْخَلْ وَلَمْ يُبَخَّلْ كُومَ الذَّرَا مِنْ خَوَلِ الْمُخَوِّلِ وَحُدِّثْتُ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ مَعْمَرِ بْنِ الْمُثَنَّى أَنَّهُ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا عَمْرٍو يَقُولُ فِي بَيْتِ زُهَيْرٍ : هُنَالِكَ إِنْ يُسْتَخْوَلُوا الْمَالَ يُخْوِلُوا وَإِنْ يُسْأَلُوا يُعْطُوا وَإِنْ يَيْسِرُوا يُغْلُوا قَالَ مَعْمَرٌ : قَالَ يُونُسُ : إِنَّمَا سَمِعْنَاهُ : هُنَالِكَ إِنْ يُسْتَخْبِلُوا الْمَالَ يُخْبِلُوا قَالَ : وَهِيَ بِمَعْنَاهَا .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ : ثَنَا أَحْمَدُ قَالَ : ثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ : إِذَا أَصَابَتْهُ عَافِيَةٌ أَوْ خَيْرٌ . وَقَوْلُهُ : نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ يَقُولُ : تَرَكَ دُعَاءَهُ الَّذِي كَانَ يَدْعُو إِلَى اللَّهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَكْشِفَ مَا كَانَ بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا يَعْنِي : شُرَكَاءَ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ : ثَنَا أَحْمَدُ قَالَ : ثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ ( نَسِيَ ) يَقُولُ : تَرَكَ ، هَذَا فِي الْكَافِرِ خَاصَّةً . وَلِ مَا الَّتِي فِي قَوْلِهِ : ( نَسِيَ مَا كَانَ ) وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الَّذِي ، وَيَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ حِينَئِذٍ : تَرَكَ الَّذِي كَانَ يَدْعُوهُ فِي حَالِ الضُّرِّ الَّذِي كَانَ بِهِ ، يَعْنِي بِهِ اللَّهَ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - فَتَكُونُ مَا مَوْضُوعَةً عِنْدَ ذَلِكَ مَوْضِعَ مَنْ كَمَا قِيلَ : ﴿وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ ﴾ يَعْنِي بِهِ اللَّهَ ، وَكَمَا قِيلَ : فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ .
وَالثَّانِي : أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الْمَصْدَرِ عَلَى مَا ذَكَرْتُ . وَإِذَا كَانَتْ بِمَعْنَى الْمَصْدَرِ ، كَانَ فِي الْهَاءِ الَّتِي فِي قَوْلِهِ : ( إِلَيْهِ ) وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَكُونَ مِنْ ذِكْرِ مَا . وَالْآخَرُ : مِنْ ذِكْرِ الرَّبِّ .
وَقَوْلُهُ : وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا يَقُولُ : وَجَعَلَ لِلَّهِ أَمْثَالًا وَأَشْبَاهًا . ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْمَعْنَى الَّذِي جَعَلُوهَا فِيهِ لَهُ أَنْدَادًا ، قَالَ بَعْضُهُمْ : جَعَلُوهَا لَهُ أَنْدَادًا فِي طَاعَتِهِمْ إِيَّاهُ فِي مَعَاصِي اللَّهِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ : ثَنَا أَحْمَدُ قَالَ : ثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا قَالَ : الْأَنْدَادُ مِنَ الرِّجَالِ : يُطِيعُونَهُمْ فِي مَعَاصِي اللَّهِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : عَنَى بِذَلِكَ أَنَّهُ عَبَدَ الْأَوْثَانَ ، فَجَعَلَهَا لِلَّهِ أَنْدَادًا فِي عِبَادَتِهِمْ إِيَّاهَا . وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ : عَنَى بِهِ أَنَّهُ أَطَاعَ الشَّيْطَانَ فِي عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ ، فَجَعَلَ لَهُ الْأَوْثَانَ أَنْدَادًا ، لِأَنَّ ذَلِكَ فِي سِيَاقِ عِتَابِ اللَّهِ إِيَّاهُمْ لَهُ عَلَى عِبَادَتِهَا . وَقَوْلُهُ : لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ يَقُولُ : لِيُزِيلَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُوَحِّدَ اللَّهَ وَيُؤْمِنَ بِهِ عَنْ تَوْحِيدِهِ ، وَالْإِقْرَارِ بِهِ ، وَالدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ .
وَقَوْلُهُ : قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلا يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِفَاعِلِ ذَلِكَ : تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ بِاللَّهِ قَلِيلًا إِلَى أَنْ تَسْتَوْفِيَ أَجَلَكَ ، فَتَأْتِيَكَ مَنِيَّتُكَ إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ : أَيْ إِنَّكَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ الْمَاكِثِينَ فِيهَا . وَقَوْلُهُ : ( تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ ) : وَعِيدٌ مِنَ اللَّهِ وَتَهَدُّدٌ .